زوبعة في رام الله

2017-02-13 10:01:48

"عادل الأسطة"

منذ أصدر الروائي عباد يحيى روايته الأولى "رام الله الشقراء" (2012) أخذت أتابع نتاجه وأكتب عنه.احتفلت بـ " رام الله الشقراء" ومدحتها يوم ذمها نقاد كثيرون، ورأيت فيها غير ما رؤوا فيها.

ومنذ إصدار الرواية الأولى أصدر الكاتب ثلاث روايات أخرى، هي: "القسم 14" و"هاتف عمومي" و"جريمة في رام الله".هذا يعني أنه أصدر كل عام، تقريباً، رواية.

وهذا مثار سؤال. حين قرأت "القسم" 14" قلت: ها هو الكاتب لا يلتزم بما قاله يوماً في مدينة نابلس، في ندوة شاركت فيها، حول روايته الأولى. سُئل عباد يومها: وماذا بعد هذه الرواية؛ فأجاب: لا أدري وقد لا أكتب غيرها. إذا شعرت أنني سأتكلف الكتابة فلن أكتب غيرها.

في "القسم 14" يكتب عباد رواية مختلفة. "في رام الله الشقراء" كتب عن مكان يعرفه ورصد فيه تحولات وتغيرات وتبدلات كان يراها يوميا حيث درس في جامعة بيرزيت وكان شاهدا عليها. وفي "القسم 14" كتب عن معسكر جيش أميركي ليس له صلة به.

جلس عباد وراء مكتبه وأخذ يقرأ في حاسوبه، واخترع حكاية ما وكتب عن معسكرات الجيش وما يجري فيها وعن الدعارة الرسمية المباحة والموافق عليها، بل والمدروسة جيداً. هل التفت إلى "القسم 14" كما التفت إلى "رام الله الشقراء"؟ ربما كنت الناقد الوحيد في فلسطين الذي كتب عنها مراجعة في هذه الزاوية، في هذه الصحيفة. وأنا في عُمان اشتريت روايته الثالثة "هاتف عمومي"، وحتى اللحظة لم أقرأها، والسبب أنني لا أقرأ لكتاب يصدرون، كل عام، رواية.

ربما أنا مخطئ. وحين قرأت عن "جريمة في رام الله" لم ألتفت إليها، حتى جلست في مكتبة كان صاحبها يقرأ في الرواية، وحدثني عن بعض صفحاتها، وقرأ منها على مسمعي. اشتريت نسخة من الرواية ووضعتها جانباً، فأنا مشغول بإنجاز بحث عن القدس بين روايتين، كتب إحداهما كاتب فلسطيني يقيم في المنفى ولم يزر القدس، وكتب الثانية كاتب مقدسي. وستلح عليّ إحدى طالبات الماجستير لقراءة رواية "جريمة في رام الله" والمشاركة في نشاط يتم عقده في مكتبة بلدية نابلس بحضور الكاتب الذي كان دعي إلى مركز أوتار، قبل فترة، لتوقيع إحدى رواياته، ولم أذهب. ستخبرني الطالبة أن البلدية والمحافظة حالتا دون إمكانية عقد اللقاء، وستتوالى الأنباء سريعاً، لأعلم أن الرواية صودرت، وأن موزعها وكاتبها استدعيا للتحقيق.

وبالطبع سوف يسأل نقاد الرواية عن الرواية وعن قرار النائب العام، وعن جماليات الرواية ومبرّرات منعها و.. و.. . وستصبح الرواية شاغل الناس في الضفة وخارجها، وقد طلب مني موقعان الكترونيان أن أكتب لهما بهذا الشأن. بدأت أقرأ الرواية وأخربش حولها، وأثارت خربشاتي ردود أفعال القراء، فمنهم من لم يرق له ما قاله بعض قراء خربشاتي، بخصوص ثنائية المؤلف الشخصية. هل المؤلف يكتب عن نفسه وعن تجربته؟ ومع أنني كتبت أن المؤلف قد يكون هو الشخصية وقد لا يكون، والأمر يحتاج إلى قراءة ملحقة، إلاّ أن هناك من قرأ من الآية أولها: لا تقربوا الصلاة، ولم يتم القراءة، وهناك من أخذته العزة بالإثم، وكتب أنني أقوم بمهمة الناقد الجاسوس، واكتفيت بحذف تعليقه والرد عليه برسالة خاصة، ورددت على الأول قائلاً: هناك مناهج نقدية تقرأ النص ومؤلفه معاً. وأنا أقرأ الرواية، وقد فرغت من قراءتها، لاحظت تعدد الرواة فيها، وتعدد أساليب السرد.

تتكون الرواية من ثلاثة أقسام هي: رؤوف، نور، وسام، ويتكون كل قسم من أرقام، يصدر الروائي كل رقم بخبر أو معلومة تشير إلى العالم الخارجي فيما يخص القضية الفلسطينية أو قضايا أخرى. وأما الساردون، بضمير أنا أو بضمير الهو، والضمير الأول هو الغالب، فيقصون عن تجارب ذاتية خاصة. وتكاد المعلومات والأخبار التي تمس العالم الخارجي ـ الحيز العام ـ لا تذكر قياسا الى السرد الذي يلامس العالم الذاتي ـ الحيز الخاص ـ. يروي القسم الأول رؤوف، ويروي القسم الثاني نور/ صهيب، فيما يتعاور هذان ووسام والسارد غير المحدد سرد القسم الثالث وقد يترك السارد غير المحدد لبعض الشخصيات المجال لتسرد، كما هو حال الطبيب النفسي الذي يبدو كلامه حشواً زائداً لو حذفناه لما تأثرت الرواية سلباً. تأتي الرواية على العلاقة المثلية بين رؤوف ونور ـ الاسم الذي أطلقه رؤوف على صهيب ـ، وعلى العلاقة بين وسام والفتاة الغزية ربا التي تقتل، ما يؤدي إلى مرض وسام وانتحاره، وإلى اعتقال نور والتحقيق معه. ولا تخلو الرواية من مشاهد جنسية ومفردات جنسية، أيضاً، وشتائم وتخوين للسلطة وقيادتها و.. و.. ولعل الكتابة تحتاج إلى بقية. الذين وقفوا ضد منع الرواية وقفوا ضده لأنهم ضد منع الكتب ومصادرتها. أظن هذا، وهذا اجتهاد. هوامش ـ يبدو التوحيد بين الكاتب وشخصياته، في الرواية، أمراً غير وارد إلاّ جزئياً، فهناك غير سارد لهم أصول اجتماعية متعددة، وهم من بيئات مختلفة، وإن تشابه، جزئياً، بعض ما يعرف عنه ـ الكاتب ـ معهم، بخاصة في التربية الدينية التي نشأ عليها، ودراسته في جامعة بيرزيت. غير أن ما كتبه المؤلف، على لسان سارديه، عن جامعة بيرزيت وأجواء رام الله، وكذلك عن نساء حماس وتصرفاتهن، ينم عن صلته الحميمة بالحركة، ولعل هذا قد يسبب له معها بعض إشكالات.

ـ تنتهي الرواية بالقتل والانتحار والسفر. تقتل ربا الفتاة الغزية التي تقيم في رام الله، بعيداً عن أهلها الذين هاجروا من غزة، وتمارس، في رام الله، علاقات اجتماعية منفتحة. وينتحر صديقها وسام الذي شاهد مقتلها ولم يصدق، وأما نور المثلي الذي يحاصره المجتمع فيواصل سيرته المثلية في فرنسا، حيث يرتب له صديقه الفرنسي آرنو السفر ليقيما معاً، وليقدمه الفرنسي إلى مجتمعه، من خلال الفيلم الذي أعده عن رام الله، وينسحب رؤوف، القادم من القرية، ويعود إلى القرية ليستقر فيها. وهذه النهايات: القتل والانتحار والسفر قد تبدو نهايات ذات دلالة رمزية لما قد يكون عليه مستقبل الناس تحت حكم السلطة الوطنية. ـ تختصر أكثر أحداث الرواية في مطعم/ بار وشقة وفي ممارسات جنسية شاذة، كما لو أن أبطالها لا صلة لهم بالعالم الخارجي إلاّ قليلاً جداً. وهذه قد تكون، أيضاً، ذات دلالة رمزية لما هي عليه رام الله، أو لما هي عليه فئة الشباب في مدينة رام الله، هؤلاء الشباب المهووسون فقط بالفتيات والشرب والبارات والسهر وما شابه. والسؤال الذي راودني باستمرار هو: هل هذه هي رام الله أم أن الكاتب يكتب وعينه على الترجمة والجوائز الغربية؟ إنها قراءة من قراءات على أية حال.