المنظمة وحماس.. انقسام أم تنازع؟

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي فلسطين 24
2019-08-25 09:50:42
بقلم: علي جرادات

كثُر، مؤخراً، الحديث، (في الكواليس ووسائل الإعلام الفلسطينية)، عن أن عدداً من الفصائل في قطاع غزة قد بلور مقترحاً جديداً ل«المصالحة وإنهاء الانقسام»، وأنه بصدد تقديمه، قريباً، لقيادتي «فتح» و«حماس». أمّا مضمون هذا المقترح؛ فلخّص جوهره عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية في غزة، طلال أبو ظريفة بالقول: «إن الرؤية الجديدة تستند إلى مقاربات في كل القضايا التي شملتها اتفاقات المصالحة السابقة 2011، و2014..».

هذا يعني أننا إزاء شكل جديد لطريقة قديمة لمعالجة ملف شائك ومعقّد، جوهرها ما دأب على تقديمه هذا الفصيل أو ذاك لقيادتي «فتح» و«حماس»، من نصائح ومبادرات لإقناعهما بطيّ صفحة ما يُسمى «الانقسام الداخلي»، إنما دون جدوى، وذلك منذ عام 2007 وحتى يومنا هذا.

لذلك كله، فلنقل: بات واضحاً أن لجوء قيادة «حماس»، بين حين وآخر، إلى التهديد بتصعيد المواجهة مع الاحتلال، وبالتعاطي مع وساطات ومقترحات الفصائل لإنهاء الانقسام، إنما يندرج في إطار الضغط لتنفيذ تفاهماتها، (غير المباشرة)، مع الاحتلال لإنهاء حصاره للقطاع، أو تخفيفه على الأقل. هذا هو المعنى الذي تحمله مرونة قيادة «حماس» تجاه مشروع مُقترح الفصائل الأخير ل«تحريك المياه الراكدة في ملف الانقسام»، بعد أن فشلت كل الجهود التي بُذلت لإنهاء حصار القطاع، ومراوحة التفاهمات مع حكومة الاحتلال في مكانها.

بالمقابل، وكي لا يجهلن أحد على أحد، أيضاً، فإن هذا هو المعنى الذي يحمله لجوء قيادة «فتح» إلى إبداء استعدادها الدائم لتنفيذ «اتفاقات المصالحة وإنهاء الانقسام»، بعد أن تمخض «مسار أوسلو» عن «خطة ترامب» التصفوية. وأكثر، هذا هو، أيضاً، المعنى الذي يحمله لجوء قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، بعد ثبوت فشل وكارثية «مسار مدريد أوسلو»، إلى التلويح بتنفيذ قرارات المجلسين الوطني والمركزي المتعلقة ب«وقف العمل بالاتفاقات الموقعة مع الاحتلال»، وبالتحلل من الالتزامات المترتبة عليها، وخاصة المتعلق منها ب«التنسيق الأمني»، وبآفاق «باريس الاقتصادي» الإلحاقي، وبتعليق الاعتراف ب«إسرائيل».

لكن الحقيقة هي أنه لا قيادة حركة «حماس»، ولا قيادة حركة «فتح» خطت خطوة عملية واحدة باتجاه تنفيذ اتفاقات وتفاهمات «المصالحة وإنهاء الانقسام»، على كثرتها، وتعدد جهات التوسط لإبرامها وتنفيذها، وأظن، وليس كل الظن إثماً، أن أي مقترح جديد سيلقى المصير ذاته الذي لقيته كل الاتفاقات والتفاهمات السابقة، اتصالاً بأنه، أي المقترح، إنما يكرر التشخيص الخاطئ ذاته، وبالتالي، المعالجة الخاطئة ذاتها، لهذا الانقسام، بمعنى أنه لا ينطلق من حقيقة أن ما بين قيادتي المنظمة و«حماس» هو تنازع على «سلطة أوسلو»، وعلى تمثيل الشعب الفلسطيني، وليس مجرد انقسام ناجم عن خلاف سياسي على كيفية إدارة الصراع مع الاحتلال. كيف لا؟ مع حقيقة أن هذا التنازع لم يبدأ عندما أبرمت الأولى، عام 1993، اتفاق «أوسلو» مع حكومة الاحتلال، بل منذ تأسيس حركة «حماس»، عام 1988 في معمعان انتفاضة 87 الشعبية الكبرى التي توحد خلالها الشعب الفلسطيني، كما لم يحصل لا من قبل، ولا من بعد. وكيف لا؟ ونحن نتحدث عن تنازع بين طرفين لم يسبق لهما أن توحدا في إطار جبهة وطنية في مرحلة تحرر وطني، (إطار المنظمة في الحالة الفلسطينية)، يجمع أطرافه الاتفاق أو التوافق على برنامج سياسي واحد، ورؤية اجتماعية واحدة، وقيادة واحدة، بل إن أعلى مستوى للعلاقة بينهما لم يتجاوز حدود التنسيق الميداني إبان الانتفاضتين «الأولى» و«الثانية».

مقصود كل الكلام أعلاه القول: ثمة حاجة إلى فهم دقيق، وبالتالي، تشخيص دقيق، ومعالجة دقيقة، للتنازع القائم بين قيادتي المنظمة و«حماس»، منذ 1988، وليس، فقط، منذ عام 2007، ذلك بحسبان أن التشخيص الصحيح هو نصف العلاج كما يقال. لذلك، لو شئنا تحديد أسباب القلق الذي يساور الفلسطينيين على مستقبل قضيتهم، وحقوقهم، ونضالهم، ثقافة وبنية وخياراً وأدوات لقلنا: لن نأتي بجديد إذا جزمنا أن ثمة أسباباً خارجية وأسباباً داخلية لهذا القلق، على ما بين هذه وتلك من تداخل لا مجال لإنكاره والتهرب منه والتقليل من شأنه، اتصالاً بصوابية القاعدة الذهبية إياها: لا تُقتحم القلاع إلاّ من داخلها. هذا يقودنا إلى أن إزالة الأسباب الداخلية، هنا، كما لم تتأتَّ سابقاً عبر تقديم النصائح والوساطات ومشاريع التفاهمات والاتفاقات، فإنها لن تتأتى عبر تقديم المزيد منها، الآن، لإقناع قيادتي المنظمة و«حماس» بطيّ صفحة هذا التنازع. كيف لا؟ وهو أطول وأعقد تنازع عرفته الحركة الوطنية المعاصرة، منذ نشوئها في أواسط ستينات القرن الماضي، فيما لم يبادر أيٌ من طرفيه إلى طرح مبادرة فعلية لطيّ صفحته، رغم مرور قرابة عامين على «خطة ترامب» لتصفية القضية والحقوق الفلسطينية، بالمعنى الوجودي للكلمة. وبكلمات، إذا أردنا معالجة فعلية، هنا، فعلينا الإقرار بحقيقة أننا إزاء تنازع تعودنا على تسميته انقساماً.