أزمة جامعة بيرزيت.. سيب وأنا أسيب

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي فلسطين 24
2020-01-08 11:49:40
بقلم: أسماء سلامة

تتوالى الأيام والأسابيع وما زالت الجنازير تغلق جامعة بيرزيت ، والأزمة مستمرة بين إدارة الجامعة والكتل الطلابية ، الإدارة تقول إعادة فتح الجامعة أولاً ثم التفاوض ، والكتل الطلابية تقول التفاوض والحلول أولاً ثم إعادة فتح الجامعة ، المسألة سياسة عض الأصابع ، ومن سيصمد للنهاية. أيعقل أن يصل الحال إلى هذا الحد من التعنت من الطرفين والمراهنة على طول النفس لكسر شوكة الآخر ..

لن أتحدث عن الأهمية التاريخية لجامعة بيرزيت والتي يعرفها الجميع ، ولن أستخدم المصطلحات التي استخدمها الكثيرون بيرزيت صمام الأمان .، والباروميتر و ... الخ.

سأحاول تبسيط الأمور لأن الهدف ليس الحديث عن أهمية الجامعة ومكانتها ، بل الحل للأزمة الحالية والتي يدفع الكثيرون ثمنها .
بداية لابد لإدارة الجامعة أن تعي جيداً الثقل الذي تتمتع به الكتل الطلابية على اختلافها ، ومدى قدرتها على التأثير واتخاذ القرارات ، ولا دليل أكثر من جنزرة أبواب الجامعة ، وهي ليست المرة الأولى التي يتم فيها إغلاق الجامعة أمام الطلبة ، فقد تم إغلاقها في 2012 ، وفي 2016 ، إذا المسألة متكررة ، ولا بد من الوقوف على الأسباب التي دعت بالكتل الطلابية لسلوك مثل هذا التصرف المتطرف . بمنتهى البساطة ، لم يتم الحل الجذري للمشاكل التي يعاني منها الطلبة مع إدارة الجامعة ، بل تم تجميدها والتغاضي عنها وربما زادت هذه المشاكل مع زيادة المشاكل التي يعاني منها الفلسطينيون عامة .  الأمر الذي فجّر الموقف لدى الطلبة وقادهم لوقفة حازمة مع إدارة الجامعة .

مسألة العسكرة داخل الحرم الجامعي التي كانت الذريعة الأساسية ، ليست هي المشكلة الكبرى للطلبة ، بل هي القشة التي قصمت ظهر البعير كما يقولون ، جعلت الطلبة يخرجون كل مطالبهم السابقة واللاحقة ( فرصة ولاحت ) ، لنضع كل ما لدينا من أوراق على الطاولة ، لعل وعسى ...

لا أقف إلى جانب ما قام به الطلبة من إغلاق للجامعة ولكنني أحاول التفهم  ، وهو الدور الذي كان الأجدر بإدارة الجامعة أن تقوم به أن تتفهم مطالب الطلبة واحتوائهم وعدم الدفع بهم للقيام بمثل هذه الخطوة ، التي بمجرد القيام بها لن يكون من السهل التراجع عنها ... وهو ما تم بالفعل .  وإن كان التصرف بحد ذاته يعتبر ليّاً للذراع ومحاولة ( للتعليم على إدارة الجامعة ) بما تستطيع الحركة الطلابية أن تصل إليه في تحدي إدارة الجامعة .

إدارة الجامعة تراهن على تجاربها السابقة في التعامل مع الكتل الطلابية ، في المرتين السابقتين تم التدخل من أطراف أخرى لتلعب دور الوساطة ، توصلت إلى إعادة فتح أبواب الجامعة وبوعود للتوصل لحلول مرضية للطرفين ، ولكن لم تحل الأمور وبقيت عالقة . ولحد الآن لم يتم التدخل كالمرات السابقة من جهات رسمية وغير رسمية على مستوى عال للعب الوساطة بين الإدارة والطلبة .. مما زاد من تفاقم الأزمة وتعنت الطرفين ، والكل خسران من هذه الأزمة ، الخسائر المالية التي تتكبدها الجامعة والتي تعاني أصلاً من مشاكل مالية ، ليست بسيطة ، ومستقبل الطلبة وإنهاء الفصل الدراسي على المحك ، ناهيك عن الخسائر لجهات أخرى ، تأثر مصدر رزقها بإغلاق الجامعة كخط تاكسيات الجامعة الذي يعاني من شبه شلل تام ، وتأثر خطوط التاكسيات الأخرى التي تنقل الطلبة والموظفين ،،  عائلات بكاملها تأثرت وهي التي تعاني من الوضع الاقتصادي الحرج الذي تمر به فلسطين عامة  . من المنصف لهذه الفئة من المتضررين أن ينظر لها بشكل أكثر جدية ، وأن يتم مراعاة مصالحا من قبل الكتل الطلابية وإدارة الجامعة على حد سواء ، هم ليسوا طرفاً في الخلاف ولكنهم الأكثر تضرراً ، قد يعوّض الطلاب ما فاتهم من الفصل الدراسي ، وقد تستطيع الجامعة تعويض الضرر المالي الذي أصابها ، ولكن من سيعوّض هذه الفئة عن تضررها وخسائرها المالية ؟؟؟

إن الأزمة الحالية في جامعة بيرزيت هي أزمة ليست خاصة بالجامعة وطلابها بشكل مطلق ، والأمر المثير للقلق حقيقة هو إغماض العيون من قبل الجميع عن هذه الأزمة ، وعدم محاولة التدخل لحلها ، لا أعرف هل السبب هو العلم المسبق بعدم المقدرة على التأثير على الطرفين ، أم تركها هكذا لتستوي على نار هادئة ؟؟؟ أم أن فعلاً أمر الطلبة والجامعة ليس بتلك الأهمية التي تستدعي التدخل، هل بات مستقبل أبنائنا وقوت عائلات كاملة هو شأن داخلي خاص بالجامعة والكتل الطلابية وليس لأحد أن يتدخل فيه ...
يبدو أن طبيعة إدارة الأزمات في المشهد الفلسطيني قد انعكست على أزمة جامعة بيرزيت ، المراقبة من بعيد ، والتحرك المتأخر ، أو عدم التحرك أصلاً ، وكأن ما كان ينقصنا في ظل  التزاحم في الأزمات أزمة جديدة تمس طلبتنا ومستقبلهم بشكل مباشر .

لا أحبذ فكرة تدخل الأطياف السياسية لحل الأزمة حتى لا تنتقل بشكلها العام إلى مشكلة ذات صبغة سياسية أو حزبية ، فهي في الأصل خلاف بين ممثلي الطلبة وبين إدارة الجامعة ولا بد حلها ضمن هذا الإطار ،، ولكن تداخل بعض الجهات الأخرى التي تضررت بفعل هذه الأزمة بشكل مباشر يجعل من العقلانية رعاية الحوار بين الأطراف الشريكة في الأزمة ، دون إخراج الأزمة من شكلها وإطارها الجامعي الطلابي . قد يكون التدخل مقتصراً على ضمان تطبيق التفاهمات التي سيتم التوصل إليها ورعاية تنفيذها ولكن لابد من بقائها محصورة في حوار جاد وجوهري بين الطلبة وإدارة الجامعة ، يعتمد على تفهم كلا الطرفين لبعضهما ، وإن جاز التعبير ( التنازل ) في سبيل المصلحة العامة والوصول إلى نقطة التقاء تضمن إعادة الدوام لطبيعته وتلبية مطالب الطلبة المنطقية والعادلة .
أعتقد أنه قد آن الأوان للتدخل من قبل المسؤولين في الحكومة للتوصل لحل جذري للأزمة بين الطلبة وإدارة جامعة بيرزيت ، وضمان عدم تكرار مثل هذه الأمور في سنوات قادمة ، يبدو أن الطلبة لا يريدون إبراً للبنج ولا مسكنات ، بحاجة لتدخل جراحي للقضاء على الألم من جذوره ، بيرزيت وطلابها جديرون بالأفضل ، عرين الديمقراطية ، أحرى بأن يعامل طلابها بديمقراطية يستحقونها ويمثلونها ويتغنون بها .إدارة الجامعة في اختبار حقيقي لممارسة الليبرالية التي اختارتها نهجاً لها  .