قضية فلسطين والمصير

بتاريخ: 2019-05-19 13:10:03

سبعون عاما ويزيد على حرب لم تضع أوزارها، ولم ينطفئ جمرها، ولم يهدأ اوارها.

في معركة الوعي والتدافع الحضاري والإبداع العلمي خسر العرب والمسلمون القرن العشرين وتخلفوا عن منافسة الآخرين بل وحتى اللحاق بهم وفاتهم القطار.

في منتصف القرن الماضي، وبعد جلاء الاستعمار، امتلأ الفضاء العربي بجرعات الشحن الايدلوجي والتعبئة العاطفية والتبشير بمستقبل أفضل يخلو من اثار الاستعمار ويحقق الوحدة والنهضة العربية إلاّ ان ذلك الحلم الذي هرم الناس وهم ينتظرون بزوغه أخذ بالتبدد والتلاشي وهم يتجرعون كأس الظلم وسطوة الحكم الوطني وقهر الإستبداد  الداخلي والحؤول دون تمكين الشعوب من حريتها واختيار حكامها، أو تقرير مصيرها.

صحيح أننا كسبنا معركة التحرر والإستقلال بطرد الاستعمار، ولكن الصحيح أيضا أننا خسرنا معركة الحرية والديمقراطية والوحدة الوطنية فضلا عن الوحدة القومية والإسلامية، فبرزت التناقضات الاثنية، واُنهكت دول بفعل الحروب الأهلية والطائفية، واختُطف الربيع بثورة مضادة لإرادة الشعوب.

أفلت القرن الماضي منا وبما كسبت أيدينا فلم نكن الا مناطق جغرافية لنفوذ الآخرين ومصالح اقتصادية يتقاسمها الأقطاب، واتباعاً ملحقين بالاحلاف والمحاور الدولية، وساحات حرب نخوضها بالوكالة عن القوى الكونية المتصارعة على المصالح والنفوذ.

الى كل ذلك فإن العلامة الفارقة تكمن في خسارتنا لمعركة الوعي وتطويع العقل العربي لا من أجل ان يُقبل ما كان مرفوضاً وإنما ليصبح المرفوض سابقاً مطلباً وطنياً، وحسبنا أننا شهدنا مرحلة الانحطاط بدعوة الاستعمار لحمايتنا من خطر باسنا، فأصبح الإستعمار الجديد  مدفوع الثمن والأجر، وحسب الاماني ان يكنّ امانيا.

المفارقة الأكثر إيلاماً ان يُحاكم التاريخ النضالي باعتباره غباءً سياسياً وخيانة وطنية، مرحلة تجاوزت فيها السلطات الحاكمة، جميع الخطوط الحمراء، وانتهكت فيها جميع المحرمات، وأصبح اللعب فيها على المكشوف، فهل سيبقى الخسران والهوان نصيبنا في القرن الحالي؟

السؤال المشروع بحاجة إلى إجابة واضحة، وليس في الفضاء العربي ما يمكن إخفاءه، الصمود المثالي المصحوب بالدماء المسفوحة في الداخل الفلسطيني وفي مواجهة الخطر الصهيوني تعبر عن قدرة الشعوب على تقديم التضحيات، وبصرف النظر عن الهرطقات التي تتعامل مع القضايا المصيرية الكبرى بمنطق التجارة والمصالح المحكومة بمنطق الرقم العددي، والمتناقضة مع قوانين التاريخ ونواميس الكون وقواميس النضال التاريخي، فإن القضية التي خذلها الاصدقاء وتخلى عنها الأشقاء واستفرد بها الأعداء، ولم يعد يملك أهلها إلا مواجهة المخرز الآثم بالكف الدامي، ليس أمام أهلها إلا هذا الخيار وهذا المسار.

في غزة وبعد المواجهة الأخيرة، وخلافا لمنطق المهزومين أنتصر الكف الفلسطيني على المخرز الصهيوني، وتعرت نظريات الواقعية والتعامل مع سياسة الأمر الواقع والتكيف مع موازين القوى الدولية. يراد لنا ان نستسلم وان نرفع الراية البيضاء وأن نقبل بإملاءآت الأعداء  وان نعترف ب “إسرائيل”، ببساطة هذه هي صفقة القرن.
وصفقة القرن هذه ليست قابلة للتمرير ما دام الرفض والتضحية عنوانا للصمود والثبات، ولأن البديل هو الانتحار والاندثار، ولأن المشروع الصهيوني قائم على قاعدة عدم الاعتراف بوجود شعب فلسطيني داخل فلسطين.

وفلسطين بالنسبة لهم (أرض بلا شعب لشعب لم يكن له أرض).

وعلى هذا الأساس فإن جميع المقاربات التي تتجاهل كنه الصراع بوصفه مقاومة ضد  الإحتلال من أجل التحرر الوطني جميع تلك المقاربات عبثية وبخاصة بعد ان فشلت ما يسمى بعملية السلام من تحقيق أهدافها .

المشروع الصهيوني لا يقبل ان يكون له شريك وهذا باختصار المعنى المقصود (بالدولة اليهودية) وهذا المصطلح هو عنوان الكتاب الذي كتبه زعيم الحركة الصهيونية ثيودور هيرتسل.
  تلك الدولة تبحث عما يسمى بالنقاء العنصري البغيض، ومن أجل ذلك فإنها تسعى إلى التطهير العرقي وإرغام المجاميع والكيانات العربية على القيام بدور الحارس لما يُسمى “بالأمن القومي الإسرائيلي” .

بكلمة فإن المقاومة ليست استحقاقا تاريخيا فقط ولكنها حركة مواجهة للدفاع عن الذات أولا وعن الشعوب الكيانات العربية ايضاً، ومن حقها ان تحظى بالدعم والتبني بدلا من الاستخذاء الذي يمارسه مراهقوا الساسة، وعرابوا التطبيع.


المصدر: فلسطين 24 . - www.pal24.net