وفاة مرسي.. الدروس المستقاة

بتاريخ: 2019-06-21 11:50:12
بقلم: المعطي منجب

توفي الرئيس المصري السابق محمد مرسي وهو بين يدي عصابة من جلاديه، قضاة وأمنيين، لا تعرف الرحمة ولا الشفقة سبيلاً إلى قلوبهم. إن المسؤول الأول عن هذا الاغتيال البطيء ولا شك الإرادي لأول رئيس منتخب ديمقراطيا لمصر هو الديكتاتور البهلواني السفاح عبد الفتاح السيسي الذي قتل وعذّب الآلاف من المصريين الأبرياء من جماعة الإخوان المصريين ومن غيرها. بل أنه يوجد من بين عشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين شباب يساري وعلماني. هذا الشباب الذي كان المبادر – نظراً لاندفاعيته وضعف خبرته السياسية – إلى تنظيم التمرد ضد الرئيس الشهيد ليكتشف بعد فوات الأوان أن مخابرات الجيش وعلى رأسها وزير الدفاع كانت تقف وراء ما تبين أنه ثورة مضادة تستهدف ليس مرسي أو الإخوان ـ كما كان يعتقد الشباب صادقا- وإنما ثورة 25 كانون الثاني/يناير والأفق الديمقراطي الذي فتحته.

إن جماعة الإخوان وبسبب العقلية الطائفية لبعض زعمائهم وعداء الكثير من دعاتهم للعلمانيين وللأقليات الدينية، قد سهلوا الأمور على من كان يتربص بأول تجربة ديمقراطية حقيقية في مصر الحديثة. ثم إن تفضيلهم للتوافق مع قيادات الجيش على حساب التحالف الموضوعي، القائم بحكم الواقع، مع الاتجاهات الديمقراطية والعلمانية والليبرالية التي بادر شبابها قبلهم – أي قبل الإخوان- إلى النداء للثورة على الحكم العسكري الفاسد وذلك منذ سقوط نظام زين العابدين بن علي، قد جنى عليهم وعلى مصر وعلى الديمقراطية بكل المنطقة. إن الإخوان المصريين لم يفهموا أن من ضرورات بل وبديهيات نجاح أي انتقال ديمقراطي حقيقي في أي بلد هو التوافق التعددي العريض لكل قوى التغيير داخل جبهة أو تكتل مرن على أساس دفتر تحملات ديمقراطي.

هذا التكتل أو الجبهة هو وحده الكفيل، ليس فقط بإفشال مخططات قوى النظام السابق والتي تكون ما زالت تتحكم في مفاصل الدولة والأمن والإدارة المركزية، ولكن بالحفاظ كذلك على زخم الروح الوحدوية التي توجد في أصل كل حراك شعبي والتي لا يمكن ضمان استمراريتها إلا بمشاركة القوى والشخصيات – الرموز التي عارضت النظام السابق وأعلنت الثورة عليه، في القيادة السياسية الجديدة. تجربة أمريكا اللاتينية في الدمقرطة تؤكد أن لا انتقال ديمقراطياً ناجحاً بدون فريق تعددي يرعاه ويقوده إلى بر الأمان. وهذا ليس فقط في انتظار الانتخابات وما تسفر عنه ولكن كذلك بعدها، إذ لا يمكن لمن يصل أولاً في الاقتراع العام أو حتى لمن يحصل على الغالبية المطلقة أن يعتبر أن الأمور استتبت له ليحكم وحده مقصياً غيره من فاعلي التغيير.

الديمقراطية لا تحصل بين ليلة وضحاها وأي خلاف ناتج عن تهميش تيار شارك بقوة في التغيير سيتيح المجال لقوى الثورة المضادة، المتخندقة داخل أجهزة الدولة وبنية الإنتاج والتوزيع، أن تدق إسفين داخل جسم الثورة لتجهز عليها. إن الانتقالات الديمقراطية سيرورة تاريخية وسياسية معقدة تتطلب تعاضد مشروعيتين هما المشروعية الانتخابية والمشروعية الثورية، ولبد من مرور فترة من الزمن قد تصل إلى العقد أو نحوه لينفرد الاقتراع العام بالمشروعية بل ولتنصهر الشرعية والمشروعية في قالب واحد هو عماد اللعبة الديمقراطية المرتكزة على فصل السلطات. وهكذا تصبح السلطة القضائية هي الحامي الأول للدستور روحاً وحرفاً شاهرة سيف القانون للدفاع عن الديمقراطية ضداً على تدخل الأمن أو حتى مزاج الشارع الهادفين إلى إسقاطها.

إن التاريخ السياسي للتجارب الديمقراطية والتي لا تمثل إلا جزءاً يسيراً من تاريخ البشرية يدلنا على أن الاقتراع الدوري والتداول على السلطة هو الضامن الوحيد لاستمرارية النظام الديمقراطي. إن الشارع كفاعل سياسي يمكن أن يُسقط بطريقة مشروعة نظاماً مستبداً ظالماً ولكنه – أي الشارع – يمكن أن يطيح بنظام ديمقراطي بطريقة غير شرعية إذا ما كان ميزان القوى الاجتماع- الاقتصادي والثقافي لا يزال يتيح لقوى الاستغلال والسيطرة المستفيدة من النظام السابق التدخل لحسم الموقف لصالحها.

ولنعد قبل الختام للقتل البطيء الذي تعرض له الرئيس محمد مرسي والذي يعادل الاغتيال المقترن بالتعذيب. إن أغلب اتجاهات الرأي العام بمنطقتنا قد أدانت القتلة وعلى رأسهم عبد الفتاح السيسي لكن بعض الأصوات الخارجة من غياهب زمن الوحشية والكهوف قد شمتت فيه بدعوى أنه إخواني أو أنه لم يكن ديمقراطياً أصيلاً. هؤلاء ينسون أن الشعب هو الذي يقرر من يحكمه ويمكنه أن ينتخب اليوم إسلامياً وغداً علمانياً وأن الحل الوحيد لمعضلة الحكم هو احترام قرار الغالبية إلى أن يحين موعد الانتخابات التالية.

إن السيسي قتل الرئيس المنتخب الذي كان يزعجه أيما إزعاج بقاء مرسي على قيد الحياة لأنه كان، ولو قابعا في السجن، شهادة حية وفي كل حين على زيف الواقع السياسي الذي فرضه انقلاب الجيش سنة 2013على الحكومة المدنية المنتخبة. لقد كان مرسي يشكل خطراً دائماً على الديكتاتور الحاكم لأن أية ثورة، شعبية أو عسكرية، كان بإمكانها أن تخرجه من السجن رئيساً جاهزاً ليحتل منصبه في قيادة مصر إلى أن يحسم الاقتراع العام فيمن يسيّر شؤون البلاد من جديد. أما الآن فإن روحه المرفرفة في اللامكان ستبقى تؤرق ضمير قاتله إلى الأبد.

كاتب مغربي

 


المصدر: فلسطين 24 . - www.pal24.net