في ذكرى الانتفاضة الأولى

بتاريخ: 2019-12-11 12:26:55
بقلم: نبيل سالم

في الثامن من الشهر الجاري، يكون قد مضي أكثر من اثنين وثلاثين عاماً على الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي اندلعت في ديسمبر/كانون الأول من العام 1987، من جباليا في قطاع غزة، قبل أن تنتشر ويتسع مداها لتشمل كل مدن وقرى ومخيّمات فلسطين.

وكما هو معروف، يعود سبب شرارة الانتفاضة المباشر إلى قيام سائق شاحنة «إسرائيلي» بدهس مجموعة من العمّال الفلسطينيين عمداً على حاجز «إريز»، الذي يفصل قطاع غزة عن بقية الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وعبارة الانتفاضة الأولى لا تعني في الواقع أنها الهبة الشعبية الفلسطينية الأولى ضد الاحتلال العنصري الاستيطاني «الإسرائيلي»، ولكنها الانتفاضة التي ذاع صيتها عالمياً، لدرجة أن كلمة انتفاضة، وهي كلمة عربية تعني الثورة، في وجه الظلم والاستبداد والمستعمر، وجدت طريقها إلى قواميس الكثير من لغات العالم، بسبب الصدي الإعلامي الكبير الذي تركته تضحيات الشعب الفلسطيني الأعزل، في مواجهته لآلة الحرب الصهيونية.

والحديث عن هذه الانتفاضة، والتذكير بخصوصيتها في هذا الوقت يبدو غاية في الأهمية في ظل ما آلت إلى أحوال القضية الفلسطينية، التي تشهد مؤامرات أمريكية وغربية، تسعى إلى تصفيتها، لصالح المشروع التوسعي «الإسرائيلي» في المنطقة، في وقت مازالت فيه الساحة الفلسطينية، تشهد انقساماً، بل انقسامات جد مؤسفة، تزيد الطين بلة.

ولو توقفنا عند هذه الانتفاضة التي تعتبر من أبرز ملامح النضال الفلسطيني، خلال العقود الأربعة الماضية، لوجدنا أنها شكلت تجربة نضالية فريدة، من حيث التنظيم، أو أدوات المواجهة التي اعتمدتها مع قوات الاحتلال «الإسرائيلي».
فمن حيث القيادة تميزت الانتفاضة، بانضباطية نادرة، في ظل القيادة الوطنية الموحدة، التي كانت تحظى بدعم منظمة التحرير الفلسطينية، كما غابت عنها الشعارات الحزبية، ولا سيما في بداياتها، رغم انخراط معظم الفصائل الوطنية الفلسطينية في فعالياتها، التي اعتمدت أسلوباً فريداً في النضال، فاستخدمت الحجارة، في مواجهة جيش منظم وقوي، مدجج بأحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا الغربية، والأمريكية خاصة، من أسلحة تدميرية وفتاكة، فاستطاعت بذلك تحييد ترسانة الأسلحة الثقيلة التي يمتلكها جيش الاحتلال، بل وفضحت جرائمه وعدوانه عبر العالم بأسره، لا سيما وأن جل أبطال الانتفاضة كانوا من رماة الحجارة الصغار، الذين راح الإعلام يصفهم بأطفال الحجارة.

وعلى الرغم من أنها كانت حراكاً شعبياً سلمياً، فإن الشعب الفلسطيني قدم خلال انتفاضته هذه أكثر من ألف وثلاثمئة شهيد، ومئات وربما آلاف الجرحى، في هذه الملحمة البطولية التي هدأت مع الأسف كغيرها من الهبات والثورات الفلسطينية، بعد التآمر عليها تحت غطاء البحث عن تسويات سلمية، أو السعي للسلام، وتغليب الحل السياسي على لغة المواجهة. ورغم أن الانتفاضة امتلكت جداراً صلباً خلال السنوات الثلاث، حتى بداية التسعينات، فإنه بعد انخراط منظمة التحرير الفلسطينية، في مفاوضات قادت إلى اتفاق أوسلو في العام 1993، وجد الشعب الفلسطيني نفسه أمام واقع جديد، أدخله في متاهات متعرجة، زاد من خطورتها الانقسام الذي بات يهدد القضية الفلسطينية برمتها.

والحقيقة التي لابد من التوقف عندها ونحن نستذكر الانتفاضة الفلسطينية، التي استطاعت بأبسط الوسائل، أن تدفع بالقضية الفلسطينية إلى الأمام، وأن تعري المشروع «الإسرائيلي» أمام الرأي العام العالمي، هي أن هذه الانتفاضة،وُئِدت مع الأسف كغيرها من الانتفاضات والثورات الفلسطينية المتلاحقة، من خلال مؤامرات، غلفت بشعارات البحث عن السلام بين الفلسطينيين الذين تم احتلال وطنهم التاريخي، والمحتل الغاصب لهذا الوطن.

وإذا كان الشعب الفلسطيني، قد ابتدع الكثير من الأساليب النضالية، بدءاً من انتفاضة الحجارة، إلى الطائرات الورقية الحارقة، والمسيرات والمظاهرات ضد الاحتلال، وصولاً إلى الكفاح المسلح، فإنه لن يعدم الوسائل التي سيتابع بها نضاله، رغم كل ما يحيق بالقضية الفلسطينية من مؤامرات ومخاطر، لا سيما بعد أن أثبتت الأيام عقم العملية السلمية مع الاحتلال، والمفاوضات المزمنة معه والتي لم ينتج عنها سوى المزيد من ابتلاع الأراضي الفلسطينية، وحملات الاستيطان المسعورة، والجرائم التي لا تنتهي بحق الشعب الفلسطيني. أخيراً، لا بد من القول إن ذكرى الانتفاضة، يجب أن تكون مناسبة لإعادة تقييم المسار السياسي الفلسطيني برمته، واستيعاب الدروس والعبر منها، لا سيما بعد كل هذه الخسائر التي لحقت بالقضية الفلسطينية، خلال مسرحيات السلام المزعومة.


المصدر: فلسطين 24 . - www.pal24.net