دور الشعوب في مواجهة «ابتلاع» القدس

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي فلسطين 24
2017-12-13 19:52:55
بقلم: محمد المختار الفال

خاضت الدول العربية والإسلامية محناً ومصاعب قاسية خلال العقود الثلاثة الماضية، وما زال العديد منها يواجه تحديات وجودية تهدد كيانه، وكان من نتيجة تلك المحن أن تراجعت مكانة القضية الفلسطينية من واجهة الأخبار والهموم اليومية لغالبية الشعوب العربية والمسلمة، حتى توهَّم البعض أن القدس فقدت مكانتها وقيمتها في وجدان أجيال ناشئة من العرب والمسلمين، لكن القرار الأهوج الذي اتخذه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بنقل سفارة بلاده إلى القدس والاعتراف بها عاصمة موحدة لإسرائيل، فجّر مشاعر الملايين من جاكرتا شرقاً إلى الشواطئ الغربية للولايات المتحدة، وأثبت أن القضايا الجوهرية والمقدسات المركزية في حضارات الشعوب لا تذيبها المحن ولا تقتلها التحديات الطارئة، لأنها جزء أصيل من مكونات الوعي العام، وركيزة متجذرة في الوجدان الجمعي، وهذه المشاعر الأصيلة المتمكنة من نفوس أهل المقدسات، هي التي تبقي الحق والأمل في عقول وقلوب المؤمنين بحقوقهم في كل المجمعات مهما كانت المصاعب والتحديات.

وقد عبّرت الدول الإسلامية، جميعها، عن رفضها لهذا القرار، وتنادت مؤسساتها الرسمية للتعبير عن هذا الرفض، وفق آليات العمل السياسي التي تحكم العلاقات الدولية، فها هي الجامعة العربية، الصوت المعبّر عن الموقف العربي، تؤكد رفض أعضائها لهذا الإجراء، وترى فيه تهديداً للاستقرار، وتجاهلاً وتجاوزاً لكل المبادرات والأصوات الداعية إلى السلام.

واليوم (الأربعاء) تنعقد قمة دول منظمة التعاون الإسلامي لمناقشة هذا الحدث الخطر، وهي المنظمة التي تخلَّقت في رحم القضية الفلسطينية، وولدت حين تعرض المسجد الأقصى للحرق على أيدي المجرمين الصهاينة، الذين يتوارثون هذا الحقد والإصرار على طمس الهوية الإسلامية عن مدينة الأقداس المباركة. تنعقد اليوم لتبرهن على أن الدول الإسلامية، مهما اختلفت حول الكثير من القضايا وواجهت من التحديات، فإن القدس في العقل والقلب ولا تفريط فيها، فعندها تلتقي الإرادات، وتختفي الخلافات، لأن ذهابها مؤذن بانهيار الجميع. وغداً الخميس يجتمع رؤساء البرلمانات العربية في العاصمة المغربية الرباط، ليؤكدوا وقوف المؤسسات الممثلة للإرادة الشعبية ضد قرار الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال. والجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي تتحركان في إطار الموقف الرسمي المعلن من جميع دول المنظمتين، وانطلاقاً من الموقف الرسمي والشعبي الفلسطيني، أصحاب القضية، الذين يخوضون، على مدى عقود، صراع وجود ضد المشروع الصهيوني القائم على محوهم من خريطة العالم، وقد عرفوا طرق أعدائهم، وتمرسوا على مواجهة حملات طمس الهوية وقتل الشخصية وإزالة آثار كل ما يربطهم بأرضهم، وقد أثبت هذا الشعب الأصيل قدرته على مواجهة الجبروت الصهيوني الظالم، الذي تقف وراءه الدول الكبرى، وتطلق له اليد في سلب الفلسطينيين حقوقهم، لكن هذا الشعب، صاحب الحق الرابض في أرضه تحت آلة الهدم والقهر والتعذيب، سيفوِّت على الجميع ما يريدون له.

وقد وقفت الشعوب العربية والمسلمة مع هذه القضية العادلة، في كل الأحوال والظروف، وعاشت أجيال تقرن الحق الفلسطيني بقضاياها الوطنية، وتتعاطف مع الفلسطينيين في رباطهم ومهاجرهم، لكن من محن هذا العصر وخيبات النكسات، أن ظهرت أصوات «شاذة» مهزومة تتعالى أصواتها لتهوين نتائج القرار الأميركي، وتبحث له عن مبررات مخجلة، وتتهم الفلسطينيين بأنهم من باع أرضهم وسلّموا أنفسهم للصهيونية، وليس للعرب ولا المسلمين أن يضيعوا أوقاتهم ويعرِّضوا مصالحهم للخطر! وأن عليهم الالتفات إلى أوطانهم وقضاياهم ليصلحوا من شأنها، ويتركوا الفلسطينيين لقدرهم، ويستسلموا للواقع الذي يفرض عليهم الشتات وفقدان المقدسات والتيه في أرض الله الواسعة. هذه الدعوات «المحبطة» للأسف باتت تجد من يصغي إليها في زمن النكبات والانكسارات والإحباط ومظاهر الفشل في الكثير من الدول، لكنها، لحسن الحظ، لم تشكل رأياً غالباً في المجتمعات، ولا تمثل رأي الدول ومواقفها الرسمية، مما يجعل تأثيرها قاصراً على طبقات من «المثقفين المهزومين» الضائقين بمظاهر طارئة وزائلة. وليس الوقت لمناقشة هذه الآراء أو مجادلتها، على رغم مشروعية ذلك وأهميته، ومن المؤسف أن يتورط بعض أهل الرأي، في وسائل الإعلام الشعبية وشبه الرسمية، في جريمة إثارة النعرات وتأجيج الأحقاد وتبادل التشاتم بصورة قبيحة تملأ النفوس أسى وحزناً، لأن هؤلاء «الحمقى» قصيري النظر، لا يدركون فداحة وخطر تدمير وشائج الأخوة، وبث الكراهية وزرع الفتن بين الشعوب المشتركة المصير، ولحسن الحظ أن هؤلاء لا يمثلون أحداً، ولا يشكلون وزناً، ولولا «ضوضاء» الإعلام ما سمع بهم أحد. وبعيداً عن مساوئ هذه الأصوات النشاز وأخطائها، يبرز سؤال عملي؛ ماذا على الشعوب العربية والمسلمة أن تفعل للتعبير عن رفضها قرار الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان المغتصب؟ وكيف يمكنها دعم المواقف الرسمية لدولها الواقفة مع الحق وأهله؟

ومن الطبيعي أن تختلف الاجتهادات مع اختلاف الإمكانات والظروف في محاولة الإجابة على هذا النوع من الأسئلة، لكن المفيد أن يتحرك القادرون، كل في مجال اختصاصه وقدراته، لدعم الجهود ومساندة الحراك الرسمي الذي تقوده الدول ومؤسساتها السياسية والاقتصادية والإعلامية، وفي هذه المرحلة، أرى أن الشعوب العربية، من خلال مؤسساتها العلمية والثقافية والإعلامية والأهلية، يمكنها أن تلعب دوراً مهماً، يسهم في «تنشيط» الوعي بعدالة القضية الفلسطينية ومركزيتها في الوجود العربي المسلم، ومكانة القدس في وجدان المسلمين، ورمزيتها في المخيال الشعبي، والخطر الحضاري الذي يشكله سقوطها في أيدي الصهيونية.

ومما يمكن أن تتبناه الهيئات الأهلية المنبثقة عن الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، البدء بإعلان «عام القدس»، والتحرك على مستوى المؤسسات التعليمية (مدارس وجامعات)، للحديث عن القدس وتاريخها ومكانتها، وتعريف الأجيال الشابة بمكانتها الدينية والحضارية، ودور المسلمين في الحفاظ على ما فيها من رموز دينية للديانات السماوية، ويمكن لبعض هيئات منظمة التعاون الإسلامي أن تدعو أعضاءها إلى تنظيم مسابقات شبابية باسم القدس، وتخصص كأساً رياضية باسمها، وإقامة مهرجانات فنية وأدبية باسم القدس، وتقديم جوائز أدبية تحت مظلة منظمة التعاون الإسلامي، كما يمكن لرجال الأعمال والمؤسسات التنموية الإقليمية وأهل الخير دعم المشاريع والبرامج التي تتبناها اليونيسكو، في سبيل الحفاظ على آثار القدس الإسلامية، وتنظيم حملات في وسائل الإعلام الجديد للتعريف بالقدس وروحها وشخصيتها الإسلامية، وإقامة مؤتمر علمي حول آثار القدس، وتنظيم ندوات ومعارض عن الإنسان الفلسطيني وتجذره في أرضه.

هناك الكثير مما يمكن عمله، شريطة الترشيد والانضباط، والعمل في إطار الأنظمة المعمول بها في كل دولة، حتى لا تفسد تلك الاجتهادات الجهود العامة التي تقوم بها الدول.