كلنا فلسطينيون

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي فلسطين 24
2018-02-12 10:26:05
في حضرة المقاومة…كلنا فلسطينيون
بقلم: عبد الحليم قنديل

ما من قوة على وجه الأرض تستطيع هزيمة شعب عهد التميمي وأحمد نصر جرار، أحمد فتى أشقر عذب الطلعة، دوّخ قوات الاحتلال الإسرائيلي وأجهزة مخابراتها، واستطاع الإفلات من كل حصار ضربوه عليه إلى أن قتل، كانوا يريدون أخذه حيا للاعتراف على خلية قتلت حاخاما إسرائيليا مسلحا، لكن الفتى «الزئبقى» أدار أعقد حملة تمويه وخداع، ومرّغ أنف غطرسة نتنياهو في الوحل، وكذلك فعلت عهد التميمي صاحبة أشهر صفعة لجنود جيش الاحتلال.

بدا أحمد نصر جرار عنوانا لمقاومة مسلحة عائدة بحذر إلى القدس والضفة الغربية، وبدليل العمليات الفدائية التى أعقبت عمله البطولي، وتنسج على منواله، ومن حول «نابلس» وقراها، وباستهداف قطعان المستوطنين المسلحين المدعومين بجيش الاحتلال، وكبرهان متجدد على حيوية الأجيال الطالعة من عذاب الشعب الفلسطيني، وفي ملاحم سبقت وتلحق، أثبتت وتثبت خيبة رهان «أوسلو» ومفاوضاتها ووعدها الزائف، وتمردت على مواريث ربع قرن من مؤامرات تدجين الفلسطينيين، وتحويل اهتمام الأجيال الجديدة إلى التسلية واللهو و»ألعاب الكومبيوتر»، بدلا من عمليات المقاومة الجسورة.

لكن جذوة المقاومة لم تنطفئ أبدا، وسرت بجيناتها المورثة إلى الذين ولدوا بعد «أوسلو» وخيباتها، فلم يكن أحمد نصر جرار (23 سنة) قد ولد بعد، وقت عقد «أوسلو» 1993، وكانت عهد التميمي (17 سنة) تنزل من بطن أمها بالكاد بعد عام من الانتفاضة الفلسطينية الثانية 2000، وفي حين ظنت إسرائيل أنها استراحت من عبء المقاومة الفلسطينية، ومن دفع ضرائب الدم وتكاليف الاستنزاف اليومي، فإن هؤلاء الذين كانوا لايزالون أجنة في أرحام الأمهات، أو يحبون وفي المهد، قدموا الدليل الساطع على البسالة الفطرية في وجدان وحركة الشعب الفلسطيني، وظهر بينهم مئات فآلاف، يجددون العهد والوعد، ويديرون حروبا جديدة تفزع وتنهك إسرائيل، من حروب الدهس بالسيارات، إلى حروب الطعن بسكاكين المطابخ، إلى مظاهرات الحجارة والتحدى للهمجية الإسرائيلية، وقيادة حركات المقاطعة، وموجات المقاومة الشعبية السلمية، إلى جانب عمليات المقاومة المسلحة من نوع مختلف.

وإذا كان أحمد نصر جرار ورفاقه يهبون أرواحهم لثأر السلاح، فإن المقاومة السلمية الشعبية، وبطلتها الأبرز عهد التميمي، فتاة الطلعة الذهبية، ورفاقها ورفيقاتها بدءا بأبناء العمومة، يفتحون طريقا يستطيعه شباب وشابات في فلسطين، ظهروا بالمئات، وتحولوا إلى آلاف، توالت انتصاراتهم الباهرة على الأرض، تخلع القلوب فرحا، وقد هزموا العنجهية الإسرائيلية على أبواب المسجد الأقصى قبل شهور، وأثبتوا أن مصير القدس يحدده الفلسطينيون لا غيرهم، وأنه بوسع الفلسطينيين، وببركة كفاح أجيالهم الجديدة العفية، أن يكتبوا تاريخا جديدا، يهزأ بتخويف وقمع الاحتلال الإسرائيلي، ويهزم وجه القوة، ويكشف تخاذل السلطة الفلسطينية والنظم العربية، ويحول قرارات ترامب إلى قصاصات ورق مرمية في سلة مهملات التاريخ.

نعم، القضية الفلسطينية بيد الفلسطينيين أولا، وليست بيد ترامب ولا نتنياهو، ولا بيد ملوك ورؤساء زمن عربي مهين، ولا بيد فصائل تحكم وتتحكم، وتتحارب وتتصالح على سلطة فلسطينية عبثية، فالسلطة اليوم لنداء المقاومة، وبكافة صنوفها الشعبية والمسلحة، وبسواعد شباب وشابات، ولدوا في رحم معاناة تفوق احتمال البشر، وأثبتوا صلابة وجدان وعبقرية إبداع مقاوم، وصارت أيقوناتهم المفضلة من نوع عهد وأحمد، ومئات مثلهم من قبل ومن بعد، تتوالى قوافلهم النبيلة على طريق التحرير، احتفظوا بأرواحهم نقية، وعرفوا عنوان العدو الحقيقي بلا شبهة خطأ، ووظفوا «حس الشهادة» في وجهته الصحيحة تماما، فلا شهادة ولا شهداء يعتد بذكراهم، إلا إذا كان الدم يقاوم سيف الاحتلال، ويعيد النجوم إلى مداراتها الأصلية، لا أن يراق الدم في تحطيم الأوطان، فالمقاومة تكتسب قداستها بنوع العدو الذي تستهدفه، وترهيب العدو الإسرائيلي هو أرقى مراتب المقاومة، وهو الفريضة الإنسانية والوطنية والدينية الواجبة، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، وليس في غيره من حروب أهلية نتنة، فالحرب الوطنية هي وحدها الحرب العادلة، وليس أكثر عدالة من قضية الشعب الفلسطيني، وهي حرب تحرير وطني كاملة الأوصاف، توالت فيها موجات المقاومة لمئة عام مضت، لم تذهب هباء كما يتصور ويصور المرجفون، بل خلقت واقعا حيا يستعصي على الزوال، فقد ثبتت ملايين من الشعب الفلسطيني على الأرض المقدسة، وصار عددها يناهز ويفوق عدد اليهود المستعمرين المجلوبين من أربع جهات الدنيا، وفي عقود قلبية مقبلة، تعود الغالبية السكانية الساحقة للفلسطينيين على أرضهم كلها، وكما كان الأمر تماما قبل النكبة الكبرى، ومع فارق عظيم لا يخفى، هو أن الشعب الفلسطيني الجديد مسلح بزاد الخبرة والمحنة، فهو الشعب العربي الأفضل تعليما، وهو الشعب العربي الأعظم في تاريخ مقاومته الممتدة، وأجياله الجديدة أكثر صلابة ووعيا، وأثبتت مقدرتها الأسطورية على البدء من جديد، وقيادة حرب تحرير متنوعة الوسائل، والثقة في النهاية المحتومة لكيان الغطرسة والعنصرية والاستيطانية الإسرائيلية، وتماما كما انتهى الاستعمار الاستيطاني في الجزائر وجنوب إفريقيا، بالتقدم إلى التحرير الممكن عبر مراحل، تبدأ أولا بتحرير القدس والضفة، بعد أن أرغمت المقاومة إسرائيل على الجلاء عن غزة في الانتفاضة الثانية، وتفكيك مستوطناتها السبع فيها.

وليس في ما نقول تفاؤل مجاني، ولا استهانة بحجم وكثافة مؤامرات وخطط جارية، تتصور أن بوسعها تصفية قضية الشعب الفلسطيني، وتزوير جوهرها، وحرفها عن طبيعتها كقضية تحرر وطني من استعمار استيطاني إحلالي، وتصويرها كقضية جماعة بشرية بائسة، تطلب الغذاء والدواء والمعونات، ويمكن قهرها بالحرمان، وقطع المساعدات، وعلى النحو الذي تتصرف بمقتضاه الإدارة الأمريكية المندمجة استراتيجيا مع كيان الاغتصاب الإسرائيلي، التي خططت لتركيع الشعب الفلسطيني، وإرغامه على قبول عمل إجرامي يسمونه «صفقة القرن»، وهو ما لن يقبل به فلسطيني ولا عربي حقيقى واحد.

ومهما اجتمعت الضغوط وتكاثفت الخيانات، وقد نبهنا قبل شهور طويلة إلى هذه الحقيقة، وإلى الخيبة التي تنتظر صفقة ملوثة، تعرض «خلو رجل» بعشرات مليارات الدولارات على الفلسطينيين، مقابل بيع وطنهم التاريخي، وهو خبل و»هبل» لا يستسيغه عاقل، وكان ظننا في محله تماما، وتحولت المحنة إلى نعمة، وأيقظ قرار ترامب ـ جعل القدس عاصمة لإسرائيل ـ نفوسا غافية، وأعاد طرح القضية الفلسطينية بقوة، مضافة على جدول أعمال العرب والعالم، ودفع الأقسام المتراخية من الفصائل الفلسطينية نفسها إلى موقف أفضل، تطور حتى الآن إلى قرار بسحب الاعتراف بإسرائيل، وإلى قرار بفك الارتباط الفلسطيني بكيان الاغتصاب الإسرائيلي، وهو ما ننتظر أن يدخل حيز التنفيذ، وأن تتوقف جرائم الارتباط والتنسيق الأمني بالذات، وأن ينظر جديا في حل سلطة أوسلو، فهي أشبه بجدار حماية لقوات الاحتلال الإسرائيلي، وأثرها السلبي أفدح من جدار الفصل العنصري الذي أقامته إسرائيل، فهي، أي السلطة إياها، تحول بين الشعب الفلسطيني والاشتباك المباشر مع جيش الاحتلال، وتحول دون تدفيع الكيان الإسرائيلي ثمنا مقابلا لعدوانه واحتلاله، وتخفض تكاليف الاحتلال إلى أدنى حد، وتتيح البيئة الأكثر مناسبة لتمكين الاستيطان وتوحشه، وقد آن لذلك كله أن ينتهي، ولدى الشعب الفلسطيني بديله الجاهز لإدارة حياته اليومية، وجعل القرار كله لمنظمة التحرير، مع تجديدها، وإضافة حركتي «حماس» و»الجهاد الإسلامي» إلى بنيانها التنظيمي، ففك الارتباط بإسرائيل، ينجح أكثر لو كان مصحوبا بتأكيد الارتباط بين فصائل العمل الوطني الفلسطيني بغير استثناء، وصياغة خطة مشتركة لدعم مقاومة الشعب الفلسطيني، لا لتدجينها والسيطرة عليها، فالمقاومة وحدها تستحق أن تكون عنوانا للشعب الفلسطيني، وليس لدى الفلسطينيين اليوم ما يخسرونه إذا قرروا المقاومة في نفس واحد، ولا شيء أكثر من المقاومة يفضح تخاذل الأنظمة العربية الحاكمة، ويغل يدها عن المشاركة الآثمة في خطط ترامب ونتنياهو، ويرغمها على قطع علاقات السر والعلن مع الكيان الصهيوني، ولا شيء أكثر من المقاومة يجلب التأييد الدولي، ويحيي ضمائر العالم، فالحق بغير قوة المقاومة يفقد أصالته وتأثيره، والمقاومة هي التي تنفخ في الحق من روحها، والحركة الدبلوماسية على الصعيد الدولي لا تفيد بغير المقاومة، وأطنان القرارات الدولية لصالح الحقوق الفلسطينية تتحول إلى حبر يجف على الورق، إلا إذا جرى شفعها بمقاومة صلبة وعنيدة متصلة، يستطيعها كل الفلسطينيين في ميادين التحرك السلمي الشعبي، ويستطيعها بعضهم الأقدر في ميادين العمل المسلح، وإقامة توازن مدروس بين الأسلوبين مطلوب جدا، مع الوعي بأن عمليات المقاومة المسلحة تزيد في زخم وحيوية المقاومة الشعبية السلمية، وتضاعف الثقة في المقدرة على تحقيق النصر، وتزيد الحماس والاندفاع لنصرة فلسطين في نفوس مئات الملايين من العرب، وتجعلهم في اختيار واحد عنوانه «كلنا فلسطينيون». 

كاتب مصري