إسرائيل.. الإيديولوجيا وحقائق الصراع

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي فلسطين 24
2018-05-13 10:36:05
بقلم: علي جرادات

تبنت الإدارة الأمريكية السابقة برئاسة أوباما، شروط «إسرائيل» ل«التسوية السياسية» مع الفلسطينيين، وقدمت لها دعماً، مالياً وعسكرياً وتكنولوجياً، غير مسبوق؛ لكنها، في الوقت ذاته، اختلفت مع عنجهية حكومة نتنياهو الإيديولوجية، وحذرت من مخاطرها بعيدة المدى على «إسرائيل»؛ وهو الأمر ذاته الذي تحذر منه، أيضاً، وعلناً، حتى أوساط حزبية وسياسية وأمنية وعسكرية «إسرائيلية» معروفة بعدوانيتها وتطرفها السياسي.

ماذا يعني الكلام أعلاه؟ صحيح أن «إسرائيل» تمثل مصلحة عليا أمريكية، وصحيح أن أياً من الإدارات الأمريكية لم تمارس ضغطاً جدياً يجبر حكومات الاحتلال على قبول فكرة «الأرض مقابل السلام»، لكن الإدارة الأمريكية برئاسة ترامب، خلافاً لسابقاتها، لم تكتفِ بمجرد دعم شروط حكومات الاحتلال للتفاوض، بل تبنت رؤية حكومة الاحتلال بقيادة نتنياهو التي من فرط إيديولوجيتها تظن بإمكانية فرْض خطة «صفقة القرن» لتصفية القضية الفلسطينية، متناسية أن أكثر القيادات الفلسطينية والعربية مرونة لا تستطيع قبول ذلك، حتى لو أرادت.

هذا يعني أن إدارة ترامب باتت تشاطر حكومة نتنياهو الظن بإمكانية تجاوز الوطنية الفلسطينية عبر فرْض حل إقليمي لا يتضمن استعادة الأراضي العربية والفلسطينية التي احتُلت عام 67، وإحقاق «حق العودة والتعويض»، علماً أن الأرض واللاجئين هما أصل الصراع، والمدخل الوحيد لتسويته. وهنا يكمن معنى أن تنطلق «مسيرات العودة الكبرى» في الذكرى ال42 ل«يوم الأرض» وصولاً إلى الذكرى ال70 للنكبة، حيث ابتُلع 78% من أرض فلسطين وحُوِّل نصف شعبها إلى لاجئين. 

هنا ثمة دلالات كثيرة وكبيرة، أهمها أن ما تطرحه «صفقة القرن» ليس جديداً، بل طُرح سابقاً بصيغ مختلفة لكن الشعب الفلسطيني أفشله، ما يؤكد أن تبني الإدارة الأمريكية لمقاربة حكومة نتنياهو الإيديولوجية إنما يُبقي الصراع مفتوحاً على مصراعيه، ويعيده إلى مربعه الأول؛ وأن حكومة الاحتلال القائمة التي ترفض إيجاد تسوية لأصل هذا الصراع، الأرض واللاجئين، إنما تواجه ما واجهته «إسرائيل» منذ النكبة وحتى اليوم، المتمثل في حقيقة أن هزائم شعوب الأمم الحية، وإن كانت كاشفاً لشيخوخة نظامها في مرحلة معينة، فإنها تستنفر كامن طاقتها، وتوقظ الحي النابض فيها. وللتدليل، لا الحصر، فلنقل:

أولاً لم يكن محض صدفة أن تفضي نكبة 48 إلى تغييرات بنيوية داخل البنية الرسمية العربية، بدءاً بثورة الضباط الأحرار في مصر، عام 1952، بقيادة الزعيم القومي الراحل جمال عبد الناصر.

ثانياً: لم يكن محض صدفة، أيضاً، أن تولد الثورة الفلسطينية المعاصرة مِن رحم هزيمة 67 التي أعطت مشروعية ومبرراً إضافييْن لتفجُّر ما كان يختمر في أوساط الشعب الفلسطيني، بعامة، وفي أوساط اللاجئين، بخاصة.

ثالثاً: لم يكن محض صدفة، أيضاً وأيضاً، أن يتمخض اجتياح 82 للبنان وتشتيت قوات المقاومة الفلسطينية، عن انطلاق المقاومة الوطنية اللبنانية التي دحرت الاحتلال بلا قيد أو شرط، وانفجار انتفاضة 87 الشعبية الكبرى التي أذهلت الاحتلال والعالم. إن الثنائية المتناقضة لآثار التراجع المؤقت في حياة الشعوب المستعمَرة لا يتعلم منها، بداهة، قادة المستعمِرين الغزاة الذين تسكرهم نشوة انتصاراتهم لدرجة نسيان أن للقوة، مهما بلغت، حدوداً. ولعل قادة الاحتلال «الإسرائيلي» هُم أكثر المحتلين رفضاً للإقرار بهذه الحقيقة، رغم أنهم أكثر مَن جرَّب دروسها. كيف لا، وهُم قادة استعمار استيطاني عنصري إقصائي إحلالي، ويحظى، وهنا الأهم، بدعم، ورعاية، وحماية، دول الاستعمار «الغربي»، والولايات المتحدة منها بالذات.

إن التناقض بين آنف حقائق الصراع وإصرار قادة «إسرائيل» على رفض تلبية أدنى شروط التسوية السياسية، إنما يقود الشعب الفلسطيني وكل الشعوب العربية، وشعوب المنطقة، عموماً، نحو المجهول المهول مِن الصراع وويلاته. أما أحلام، قيادات هذا الاحتلال، بهزيمة الشعب الفلسطيني واستسلامه، فأحلام يقظة، ومجرد أوهام، طالما أن نصفه ما زال في البلاد يقاوم، ونصفه الآخر هناك في الشتات، ما انفك يحلم بالعودة ولأجلها يعمل ويناضل، ومن دون نسيان أنه شعب مكافح وجزء مِن أمة العرب العريقة، فيما موازين القوى، وخرائط السياسة متغيرة لا تعرف الثبات.