غزة .. اسمعوا جثتي ماذا تقول!

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي فلسطين 24
2018-05-17 12:57:29
بقلم: عيسى قراقع

الصور المذهلة التي نشرت على مواقع التواصل الاجتماعي لشهداء مسيرة العودة الكبرى في قطاع غزة والذين ارتقوا يوم 14/5/2018 في الذكرى السبعين للنكبة، تحمل في كل جثة قصة، ومن كل جثة روحا تسكن طيرا يحلق صباحا ليرجع قبل المساء بموت جديد، تعطيك قنبلة الغاز والشهقات الاخيرة ايقاع حياتك القادمة، وهي تعود الى علاها ومكانها الاول، فتسقط من يد تل ابيب فصول الخاتمة.

الشهيد معتصم لولي يموت وهو يبتسم، إصابه قناص إسرائيلي برصاصة في القلب، رفع ابتسامته على مدى السماء، قذف حجره، وأطلق طائرته الورقية، أشدّ من الموت حياة، وأقوى من دباباتهم الهادرة، يبتسم وينهض في اللحظة الحاسمة.

القناص الاسرائيلي رأى من منظار بندقيته هذه الابتسامة الكبيرة، طفل واعد يمشي على رجليه عائدا الى طفولته ورضاعته وولادته، ذاكرته تشبه مقلاعه وقلم مدرسته، في يده حجر وعلى صدره اسم قريته التي جرفت وظلت اشجارها واقفة.

القناص الاسرائيلي رأى إبتسامة أصابته بالرعب والفزع، من هؤلاء الاولاد الذين يقفزون عن السياج؟ يأتون من كل مكان مندفعين بقوة الحق والبرهان ورياح العاصفة.

القناص الاسرائيلي قالوا له: لن تعيش بسلام الا مع المذبحة، التقط صورا كثيرة مع القتلى في أرض المعركة، استمتع برؤية الاشلاء الممزقة والجثث المتطايرة، هو فرحك العظيم، وكلما قتلت اكثر تحصل على المزيد من النياشين والاوسمة.

القناص الاسرائيلي تدرب في معسكرات الابادة، أخذوه رحلة هناك، لا زالت المحرقة في عقله ورأسه، لقنوه ان يطلق النار بسرعة ودون تردد ، أن يرتدي زي الجلاد والقاتل، يمارس البطش والقمع عندما يسمع الصافرة.

الشهيد المقعد فادي أبو صلاح قتلوه مرتين، المرة الاولى عام 2008 جراء إصابته بصاروخ اسرائيلي أدت الى بتر ساقيه، والمرة الثانية خلال مسيرات العودة شرق خانيونس ، لاحقه القناص الاسرائيلي، عاجله بطلقة اسقطته على الارض والقت بعربته بعيدا، سمعه الناس يتهجى حروف ولادته القادمة.

الشهيد أبو صلاح دفنوه مرتين، في المرة الاولى دفنوا نصف جسده الذي بتر، والنصف الاخر دفنوه في المرة الثانية، والآن التحمت وتكاملت امام صورته جثته الباقية.

أيها الناس اسمعوا جثتي ماذا تقول ، في مخيمات العودة عائلات باكملها، نساء واطفال وشبان وجرحى ومعاقين، يتقدمون لقص السلك الحدودي ، لم يمنعهم الرصاص المنهمر ولا قنابل الغاز والقذائف الحارقة، اجتازوا السلك، فارتبك القناصون الذين رأوهم ياخدون الاتجاه الصحيح الى الموت في بوصلة الذاكرة.

في غزة اسمعوا جثتي ماذا تقول، في غرفة الموتى والمشرحة أكداس من الجثث المتعانقة، أشقاء وأولاد وأصدقاء وجيران، الطفلة ليلى الغندور (8 شهور) لا زالت تحمل رضاعتها في فمها، وادعة صامتة، دم على مريولها الصغير، ابتسامة فوق موت كبير ، وليس صدفة ان نجد بين ركام الجثث طفلة بلا ابوين، جمجمة تحولت الى مزهرية، براعم خضراء فوق اكتاف الآخرة.

في غزة اسمعوا جثتي ماذا تقول، شاب جريح يغني ويطلق المواويل في المستشفى:

" يما لا تبكي عليا

لأجل الحرية لأجل الحرية

يا دكتور يا دكتور

غني لأجل الحرية "

نرى رأسه يسقط، وفي غزة سحاب كثيف وغيوم شاردة، الجرحى يغنون، الشهداء يغنون، عادوا والتحموا في أناشيدهم الهادرة.

مرحى لدولة اسرائيل الكبرى، مرحى للرئيس الامريكي ترامب، ها هم يفتتحون في القدس مقبرة وليس سفارة، ها هم يحتفلون فوق الجثث المتناثرة، ها هم يغرقون في دمنا ويلطخون وجه العالم بالعار وبالضلال و بالخطايا الفاجرة.

القناص الاسرائيلي يرى العائدين الى بيوتهم وقراهم ولا يرى مهرجان الدم في القدس، يرى الجرحى ينهضون، يرى الشهداء يستيقظون، يرى الشمس سوداء سوداء، اوصاله ترتعش، يده تضغط على الزناد، يده راجفة.

القناص الاسرائيلي علموه ان يطلق النار، ان لا يفكر ان الفلسطيني انسان، فإذا فكر بذلك فلن ينتصر، عليه ان يفقد الاحساس، ان لا تأسره ابتسامة هذا الولد، ان يجد نفسه منتشيا وسط النار والقصف وقذائف الانارة.

اقنعوا القناص الاسرائيلي انه ذاهب الى إحتفال كبير، الى جمال ساحر، وعليه أن يبتهج بطقوس القتل الجماعي، اندفاع الدبابات ، اطلاق الرصاص الكثيف، اطلاق قذائف المدفعية ، اصابات في الرأس والجبين وفي القلب، أعضاء مبتورة ، جثث معلقة على السياج، هي متعته التاريخية ان يكون وسط نار تنتشر كألف شرارة.

في غزة اسمعوا جثتي ماذا تقول، هكذا احترقت، هكذا قتلت، طلقة مزقتني على حدود غزة المحاصرة، سوف تستنكرون، وسوف تدينون المجزرة ضد المدنيين، ستطالبون بحماية دولية ، سوف تنشرون صورنا المحروقة، ستؤكدون حق المقاومة السلمية ، ستأخذون جثتي الى المحكمة الجنائية، لكني لا زلت أرى القناص يغتالنا واحدا واحدا ، لكننا لا ننقص، تحملني الف كف وكف، تخرج من موتي أجيال ثائرة.

في غزة اسمعوا جثتي ماذا تقول ، هناك في الساحات المفتوحة، وسط الدخان والموت والاغتيالات الغادرة، هتف الموت في أوصالي هتاف محمود درويش:

حاصر حصارك لا مفر..

اضرب عدوك لا مفر..

سقطت ذراعك فالتقطها..

وسقطت قربك فالتقطني..

واضرب عدوك بي..

فأنت الآن حرٌ وحرٌ وحرٌ.