إفشال صفقة القرن يبدأ بإلغاء أوسلو

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي فلسطين 24
2018-09-12 10:45:57
بقلم: زهير أندراوس

من الصعب، إنْ لم يكُن مُستحيلاً، الكتابة بإيجازٍ عن اتفاق أوسلو، الذي “نحيي” هذه السنة الـ”يوبيل الفضّي” للتوقيع عليه بين إسرائيل ومُنظمّة التحرير الفلسطينيّة، ولكن اللافت أنّه في الوقت الذي يُعلِن فيه الفريق الصهيونيّ عن موته، ويُطالِبون بتشييع جثمانه وليس من مُنطلق إكرام الميّت دفنه، يُواصِل المُراهِنون من قادة السلطة الفلسطينيّة على التمسّك به، ويرفضون قولاً وفعلاً، التنصّل منه وسحب الاعتراف بالكيان الغاصِب، لا بلْ أكثر من ذلك، أركان رام الله مُستمّرون في التنسيق الأمنيّ مع الاحتلال الغاشِم، وهذه ربمّا أوّل مرّةٍ في التاريخ القديم، الحديث والمُعاصِر التي يتّم فيها التعاون بين الضحيّة والجلّاد، الأمر الذي يُعتبَر وصمة عارٍ في جبين الشعب العربيّ الفلسطينيّ، الذي علّم شعوب العالم النضال والكفاح على جميع أشكاله ضدّ كيانٍ مارِقٍ ومُستكبرٍ يُعاني من مُتلازمة العنجهيّة، التي وصلت حدّ النرجسيّة، شعبُنا ضحّى بالغالي والنفيس من أجل تحرير فلسطين، كلّ فلسطين، وعندما نقول الشعب نعني القيادة التي تزعم أنّها تُمثلّه، إنْ كان السلطة في رام الله، أوْ حماس في القطاع. ولكي نكون صادقين مع أنفسنا وشعبنا وأمتّنا العربيّة نجزم بأنّ قضية فلسطين أسمى وأطهر وأنبل من جميع التنظيمات الفلسطينيّة مُجتمعةً، بما في ذلك تلكَ المحسوبة على ما يُسّمى بالـ”يسار”.
***
الجنرال في الاحتياط، المُحامي يوئيل زينغر، كان مندوب رئيس الوزراء الإسرائيليّ الأسبق، يتسحاق رابين في مُفاوضات أوسلو السريّة، وشارك في صياغة الاتفاق المنكود، وفي حديثٍ مع صحيفة (هآرتس) العبريّة (04.09.18) استعرض الأخطاء التي ارتكبتها دولة الاحتلال خلال المُفاوضات، وبموازاة ذلك، عبّر عن النجاحات التي تمّ تحقيقها من خلال اتفاق أوسلو: زينغر أكّد على أنّ إسرائيل حققت ثلاثة أهدافٍ إستراتيجيّةٍ من خلال الاتفاق: الأوّل، الاعتراف المُتبادل بين إسرائيل ومنظمة التحرير، الثاني، أوسلو فتح الباب على مصراعيه أمام الدولة العبريّة لتطبيع علاقاتها مع الدول العربيّة، والثالث وَضَعَ الاتفاق حجر الأساس لتوقيع اتفاقٍ شاملٍ وعادلٍ ونهائيٍّ للصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وهذا الصهيونيّ، الذي يعيش في واشنطن، يتجاهل عن سبق الإصرار والترصّد إسقاطات أوسلو وتداعياته التي نراها اليوم على أرض الواقِع، في ظلّ الدعم الأمريكيّ المُطلَق لسياسات إسرائيل العُدوانيّة-التوسّعيّة على جميع الأصعدة.
***
ما يؤرِقنا ويقُضّ مضاجعنا أنّ زينغر وضع الأصبع على الجرح النازِف، أيْ التطبيع، بكلماتٍ أخرى، كانت إسرائيل تسعى من خلال الاتفاق إلى استباحة واختراق الوطن العربيّ، وتحقيق ما عجزت عن تحقيقه منذ أنْ زرعها الاستعمار البريطانيّ والرجعيّة العربيّة في فلسطين، أيْ التحوّل من دولةٍ مرفوضةٍ في الشرق الأوسط، وكيانٍ مُغتصبٍ إلى “حمامة سلام”، وهذا النهج ندفع ثمنه اليوم عندما نُتابِع بألمٍ وحسرةٍ شديدينْ الهرولة العربيّة للتطبيع مع إسرائيل، في الوقت الذي تعمل فيه هذه الدولة على تصفية القضيّة الفلسطينيّة، أوْ بالأحرى ما تبقّى منها.
***
بناءً على ذلك، نرى أنفسنا مُضطرين إلى المُوافقة مع الجنرال في الاحتياط زينغر حول فتح باب التطبيع عبر أوسلو بين كيان الاحتلال والدول العربيّة، أوْ بكلماتٍ أخرى، أوسلو أسّسّ لمرحلةٍ جديدةٍ بات فيها التطبيع القاعدة وليس الاستثناء، تمامًا كما أصبحت المُقاومة، من وُجهة نظر عرب الردّة السياسيّة، إرهابًا، وفق المُعجم الذي تبنّته الدول المُصنفّة في كلٍّ من تل أبيب وواشنطن بالـ”دول السُنيّة المُعتدلِة”، وفي مُقدّمتها المملكة العربيّة السعوديّة، وتكمن خطورة هذه الحقبة في أنّ هذه الدول المُطبّعة سرًا وعلانيّةً، اجتازت حاجز الخوف من شعوبها الرافضة حتى اللحظة التطبيع أوْ حتى الاعتراف بإسرائيل، ولكي نُوضّح الموضّح نقول: فلسطين تتلاشى، ولكن في الوقت عينه، العديد من الدول العربيّة والإسلاميّة تمنح دولة الاحتلال الشرعيّة، إذْ أنّ قضية فلسطين باتت عبئًا على هذه الأنظمة، “قضية العرب المركزيّة”، ويتحتّم التخلّص من هذه “الآفة” بأسرع ما يكون.
***
قال جورج أورويل إنّه “في زمن الخداع العالميّ يُصبِح قول الحقيقة عملاً ثوريًا”، والحقيقة أنّ فلسطين تُباع في المزاد العلنيّ، وحتى في سوق النخاسة، والعرب يقفون موقف المُتفرِجين، القدس سُلِبت من راعي البقر الأمريكيّ، حقّ العودة في طريقه إلى الموت بسبب سياسة واشنطن، التي ترقص على موسيقى العنصريّة والفاشيّة التي يعزفها رئيس الوزراء الإسرائيليّ المُتطرّف، بنيامين نتنياهو، ويُصرّح بأنّ “علاقات إسرائيل مع الدول العربيّة تتطوّر بشكلٍ يفوق الخيال”، وفي هذا السياق يُلاحَظ ابتكار أوْ اختراع عربيّ خطير للغاية، تُشدّد عليه النُخب السياسيّة والثقافيّة في عددٍ من البلدان، وهذا النهج، الذي يتغلغل وبقوّةٍ في الشارِع العربيّ، يقول بصريح العبارة: الفلسطينيون تصالحوا مع إسرائيل منذ العام 1993، أيْ منذُ اتفاق أوسلو، ويُضيفون: إذا كان صاحب الشأن، أيْ الشعب الفلسطينيّ، قد أبرم الصلح مع عدّوه، فلماذا يجب علينا نحن أنْ نكون كاثوليكيين أكثر من بابا روما ونُواصِل العداء لإسرائيل؟ وهذه الفكرة المأساويّة هي الخنجر في خاصرة الشعب الفلسطينيّ، الذي يُذبَح من الوريد إلى الوريد في الأراضي الفلسطينيّة المُحتلّة وفي مخيمات اللجوء والشتات، وداخل ما يُطلَق عليه الخّط الأخضر، والعرب مشكورين، إذْ أنّ بيانات الشجب والتنديد والاستنكار وأيضًا التعبير عن الامتعاض، التي يُصدِرونها بمُناسبةٍ أوْ بغيرها، باتت الحّد الأقصى الذي يفعلونه.
***
وهكذا بعد ربع قرنٍ على توقيع أوسلو، وصلنا إلى نقطةٍ أوطأ من البحر الميّت، الاتفاق لم يُحقّق للشعب الفلسطينيّ إلّا المآسي والكوارث، وبات الصراع على السلطة الوهميّة بين فتح وحماس شعار المرحلة، كفى، مُهاترات وتُرهّات، كفى للعنتريات الكلاميّة، دقّت ساعة الصفر، ويتحتّم على كلّ مَنْ يقود السفينة المُبحِرة إلى الغرق المُحتّم أنْ يترّفع عن الفئويّة والمصالح لهذا التنظيم أوْ ذاك، ووضع النقاط على الحروف لأنّ التاريخ لا يرحم: مَنْ راهن على أمريكا، وصرحّ أكثر من مرّةٍ أنّه يُثمّن عاليًا موقفها من حلّ الصراع مع إسرائيل، عليه أنْ يكون اليوم، قبل غدٍ، شُجاعًا ووطنيًا وأنْ يعتذر عن الأخطاء والخطايا التي ارتكبها بحقّ شعبه ووطنه، الذي لا وطن لنا سواه.
***
من أجل فلسطين: أعيدوا المفاتيح، غير الموجودة أصلاً، أعلِنوا أنّكم في حلٍّ من أوسلو ومن تبعاته، وعودوا إلى شعبِكم، الذي كان وما زال وسيبقى قابضًا على الجمر، أنظروا إلى اللاجئين الذين ما زالوا يتمسّكون بمفاتيح العودة، ولترجِعْ الأمور إلى مُسّمياتها الحقيقيّة: الاحتلال هو احتلال والمُقاومة هي مُقاومة، لأنّه كما قال حكيم الثورة وضميرها، الراحل د. جورج حبش: “إسرائيل ليست أقوى من أمريكا، والشعب الفلسطينيّ ليس أضعف من شعب فيتنام”.