الفلسطيني الغائب في السياسة

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي فلسطين 24
2018-09-23 11:32:44
بقلم: إيهاب محارمة

عادت السلطة الفلسطينية، في السنوات الأخيرة، ولا سيما مع تنامي شراسة السياسة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، لتكتشف أهمية منطقة ج، وإن لا يعدّ هذا الاكتشاف نموذجًا تسعى من خلاله إلى مواجهة السياسة الإسرائيلية، إنما هو مخرج للهروب من التعقيدات السياسية التي تواجهها بين حين وآخر. 

ظلّ تعزيز صمود الفلسطينيين في هذه المنطقة شعارًا ضد السياسة الإسرائيلية، وليس دعمًا حقيقيًا له في الممارسة، فقد اعتمد اهتمام السلطة الفلسطينية بمصير الفلسطينيين في منطقة ج طوال ربع القرن الماضي على سياسة "الفزعة" الموسمية، أما التدخل الدائم للحفاظ على بقاء الفلسطينيين في هذه المنطقة فيبقى تدخلًا غائبًا. 

ولفهم هذه السياسة الغائبة، لا بد من العودة أساسا إلى اتفاق أوسلو، وتقسيم الضفة الغربية إلى ثلاثة أشكال من الحكم؛ منطقتي أ وب، وهما مجموعة من المعازل أو الجزر المنتشرة في أنحاء مختلفة من الضفة الغربية، يسكنها فلسطينيون وتحكمها السلطة الفلسطينية شكليًا. ومنطقة ج، وهي متصلة تُشكل ما نسبته أكثر من 60% من إجمالي مساحة الضفة الغربية، حافظت إسرائيل عليها لتبقى تحت سيطرتها، بحجة ضمان أمنها وأمن الضفة الغربية، وذلك قبل أن تضع سياسةً لتشجيع البناء الاستيطاني المدني والزراعي والسياحي، بهدف الاستثمار الاقتصادي، مع عدم إغفال تحقيق الأمن.

ومنذ يونيو/ حزيران 1967، باتت السياسة الإسرائيلية تجاه قرابة 393.163 فلسطيني، يعيشون في منطقة ج، أقرب إلى سياسةٍ يمكن وصفها بأنها تهدف إلى إلغاء وجود الفلسطيني، ومنع تطوّره، ودفعه إلى مغادرة أرضه. 
وبهذا المعنى، قامت سياسة إسرائيلية في المنطقة ج، أساسها مصادرة الأراضي، وبناء المستوطنات، واستغلال الموارد الطبيعية، ومنع تطور القرى الفلسطينية، وهدم التجمعات البدوية، وفرض القيود على التنقل والوصول، وتهجير السكان الأصليين، بغرض فرض واقع استعماري، يهدف إلى حرمان الفلسطينيين من حقهم في تقرير مصيرهم واستغلال أراضيهم ومواردهم الطبيعية، ومنعهم من مزاولة سيادتهم عليها. 

من حيث السياسة الفلسطينية، يمكن القول إن التدخل الفلسطيني في منطقة ج متأرجح ومتذبذب وموسمي، ويعتمد على الدعم والمساعدات الدولية الإغاثية التي تُقدم إليها من المانحين الدوليين، فعلى عكس ما تدّعي السلطة الفلسطينية، لم تشهد منطقة ج سياسة فلسطينية واضحة أدّت إلى تطوير هذه المنطقة بصفتها جزءًا من الدولة الفلسطينية التي تروّجها، وهي التي تخصص في موازنتها السنوية قرابة عشرة ملايين دولار لدعم وتحقيق التنمية فيها. 

يتمتع الفلسطينيون في منطقة ج بوضع صمودٍ خاص؛ يختلف عن الصمود التقليدي الذي برز مع منظمة التحرير الفلسطينية في الانتفاضة الأولى، ويختلف عن الصمود التقليدي في الضفة الغربية وقطاع غزة والأرض المحتلة عام 1948، فهم يتمتّعون، إلى حد بعيد، بدرجة كبيرة من القدرة الهائلة على التنظيم والتعبئة والنسيج الاجتماعي المتماسك. 

ويحافظ الفلسطينيون في منطقة ج على بقائهم في منطقة تخضع للسيادة الإسرائيلية المباشرة، ولديهم طرق وتكتيكات للبناء والزراعة وتربية الثروة الحيوانية في منطقةٍ غنيةٍ بالموارد الطبيعية والأراضي الصالحة للزراعة، وفي أراضٍ تعتبر إسرائيل وجود الفلسطيني فيها غير قانوني، وليست من حقهم، ولا مخصصةٌ لهم. 

ما يطلبه أكثر من أربعمائة فلسطيني يسكنون في منطقة الخان الأحمر القريبة من القدس لا يختلف عمّا يطلبه الفلسطينيون في منطقة ج، وهو دعم بقائهم في هذه الأرض، ودعم مقاومتهم سياسات التهجير القسري والتمييز العنصري الإسرائيلية بحقهم. ولكن في الوقت الذي يصمد فيه الفلسطينيون في منطقة الخان الأحمر، ويدافعون عن حقهم بتقرير مصيرهم، تصرّ السلطة الفلسطينية على أن سكان هذه المنطقة "هادئون" "مسالمون"، فهم لا يطالبون بحقهم إلا إذا قامت السلطة ومؤسساتها بالتدخل وتعبئتهم. 

تربط السلطة الفلسطينية نضال الفلسطينيين من أجل البقاء في منطقة ج، بما فيها الخان الأحمر، بسياسة التدخل من خلال تقديم المساعدات المالية، وتحقيق التنمية التي تعزّز صمود الفلسطينيين في أرضهم. وقد بات هذا الشكل يؤدي إلى عواقب سلبية؛ إذ ترتبط هذه المساعدات الدولية الفردية والعشوائية التي تحصل عليها السلطة بالدعم الإغاثي، والذي يشكّل، في الوقت نفسه، مصدرًا لصمودٍ مضاد، بصفته غير قادرٍ على الوقوف أمام السياسة الإسرائيلية التوسعية. وكما أن السياسة الفلسطينية باتت مصدرًا للشك من سكان الخان الأحمر الذين يرون مطالبهم بالبقاء في أرضهم أضحت مرتبطةً بمواجهةٍ موسميةٍ تقوم بها السلطة الفلسطينية، بهدف البحث عن مخرج لأزماتها، ولعل جديدها الورطة التي دخلت بها السلطة، منذ بدأ الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، سياسته التصفوية تجاه القضية الفلسطينية. 

تقدّم السياسة الفلسطينية في منطقة ج نموذجًا مضادًا لبناء المؤسسات التي تروّجه السلطة الفلسطينية. إنه نموذج "الفزعة" الذي يستهدف الفلسطيني، ويركّز جهوده على التضامن مع أهالي المنطقة، وإن صح القول هنا؛ هل يتضامن صاحب القضية مع قضيته، أم يُدافع عنها؟ 

يحتاج الفلسطينيون في الخان الأحمر إلى وقفةٍ فلسطينية جادّة، وليس موقفا موسميا يظهر عند انسداد الأفق السياسي. ولهذا، لا يمكن اعتبار السياسة الفلسطينية اليوم في الخان الأحمر هدفًا ينشده سكان أهالي المنطقة، لكنه فرصة جديدة حصلوا عليها، لا لتحدّي السياسة الإسرائيلية فحسب، بل لتحدّي السياسة الفلسطينية من خلال إعادة فرض أنفسهم فلسطينيين، رغما عن اعتبارهم "الفلسطينيين المنسيين".