عن أكاذيب نتنياهو

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي فلسطين 24
2018-10-09 20:00:51
بقلم: رندة حيدر

المزاعم التي قدمها رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، من على منصة الأمم المتحدة، بشأن ما سمّاه انتهاك إيران الاتفاق النووي المبرم مع الدول الكبرى في 2015، هي حلقة من سلسلةٍ بدأت بعد تولي المذكور رئاسة الحكومة سنة 2009، ومستمرة بوتيرة أكبر وأكثر شراسة، وبصورة خاصة في ظل التمركز العسكري الإيراني في سورية. 

في كل مرة، يأتي نتنياهو إلى الجمعية العامة في الأمم المتحدة مدجّجاً بالوثائق والصور والبيانات، لتأليب الرأي العام الدولي ضد إيران، وحلفائها في المنطقة. وهذه المرة، نال حزب الله نصيبه من الدلائل والإثباتات عن وجود صواريخ دقيقة على بعد كيلومترات قليلة من مطار رفيق الحريري الدولي، وتحديداً تحت ملعبٍ في ضاحية بيروت الجنوبية. 

والسؤال المطروح: إلام هدف نتنياهو من اتهاماته وتحذيراته؟ هل هو إثارة المخاوف لدى اللبنانيين من إمكانية عدوان إسرائيلي جديد على بلدهم؟ أم ترهيب حزب الله وإثارة البلبلة حول سلاحه من جديد وسط الرأي العام اللبناني؟ أم أن هذا يعني عودة التركيز الإسرائيلي على الساحة اللبنانية ساحة صراع مع إيران بالواسطة؟ وهل هدفه أيضاَ تسليط الضوء على الدور السلبي الذي تقوم به إيران في المنطقة من خلال تدخلها في السياسة الداخلية للبنان وسورية واليمن؟ 

قد تكون هذه كلها من بين الأغراض وراء تهويلات نتنياهو وتهديداته، لكن هناك سببا أساسيا مختلفا تماماً وراء هذه الحملة المسعورة على السلاح النووي الإيراني، وعلى الصواريخ الدقيقة لحزب الله، وهو تجنب الكلام عن النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني، وتفادي الحديث عن التسوية التي تقترحها إدارة الرئيس الأميركي، دونالد 
ترامب، والأهم عدم ذكر حل الدولتين الذي تحدث عنه ترامب في لقائه المنفرد مع نتنياهو. 

ثمّة سببٌ آخر وراء تبجّح نتنياهو، وهو رغبته في تضخيم إنجازات أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، وتصويرها بأنها قادرة على رصد ما يجري فوق الأرض، وتحتها نتيجة تكنولوجيا متطورة متقدمه قادرة على سبر الأسوار والتسلل إلى شبكات الإنترنت والحواسيب واختراق حسابات واعتراض مكالمات ومراقبة شخصيات. 

لكن المفارقة أن يأتي هذا التضخيم في هذا الوقت بالذات الذي كان فيه الإسرائيليون يحيون ذكرى مرور 45 عاماً على حرب أكتوبر 1973 المرتبطة في الذاكرة الإسرائيلية بالتقصير الكبير للاستخبارات الإسرائيلية في توقع الحرب التي شنها المصريون حينذاك، والتي لا تزال مدعاة انتقاد دائم. برز هذا التقصير في عمل الاستخبارات العسكرية مجدّداً في عملية الجرف الصامد سنة 2014 ضد قطاع غزة، فقد أخفقت أجهزة الاستخبارات العسكرية في توقع وجود أنفاق هجومية بين قطاع غزة وإسرائيل، ما شكل مفاجأة لم يكن يتوقعها الجيش الإسرائيلي، وأدى إلى نشوء موجة انتقادات ضد حكومة نتنياهو، شنتها أحزاب اليمين الإسرائيلي، وكادت أن تؤدي إلى تشكيل لجنة تحقيق في أداء هذه الأجهزة. 

من جهة أخرى، وبعيداً عن أكاذيب نتنياهو، تعمل إسرائيل، في السنوات الأخيرة، على توظيف تقدمها الكبير في المجال السيبراني، لتحسين قدراتها الاستخباراتية، ودمج هذا المجال الجديد الذي يشهد تقدماً مذهلاً في عقيدتها العسكرية، بحيث يشكل السلاح السيبراني ذراعاً عملانياً جديداً ومتقدماً يعمل بالتضافر مع سلاح الجو والبحر والبر في أي مواجهة مستقبلية. 

لكن الاختبار الحقيقي لكل ما تبجح به نتنياهو من إنجازات استخباراتية هو في المواجهة العسكرية المقبلة التي لا أحد يرغب فيها على الأقل في الوقت الراهن. في هذه الأثناء، الادعاء بوجود مستودع سري يستخدم لأغراض نووية في ضواحي طهران أمر تحسمه وكالة الطاقة النووية الدولية المكلفة مراقبة تنفيذ الاتفاق النووي مع إيران، والتي لم تؤكد هذه المزاعم. بينما سارعت الدولة اللبنانية إلى تبديد أكاذيب نتنياهو بجولة برفقة دبلوماسيين أجانب وإعلاميين على الأماكن التي ادّعى نتنياهو أن الصواريخ مخبأة فيها. 

يعتقد نتنياهو أن كذبه وإصراره على الكذب، وتصديقه له قد يحول أكاذيبه إلى حقيقة، لكن هذا لا يمكن، في نهاية الأمر، أن يخدع أحداً باستثناء أنصاره وجمهوره اليميني الذي يحاول نتنياهو أن يبهره، استعداداً ربما للانتخابات الإسرائيلية المقبلة.