غزة.. التهدئة والمصالحة

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي فلسطين 24
2018-11-11 10:02:20
بقلم: علي جرادات

 

بات واضحاً أن تفاهماً غير مباشر بين حركة «حماس» وحكومة الاحتلال في طريقه إلى التحقق، وفق معادلة: «هدوء مقابل تخفيف الحصار»، بمعنى: (وقْف إطلاق النار، وإنهاء ما يسميه الاحتلال «المظاهر العنيفة» لمسيرات العودة وفك الحصار، ومنْع اقتراب المتظاهرين من الأسلاك الشائكة مقابل تنشيط فتْح المعابر، وتوسيع منطقة الصيد، والسماح بتزويد القطاع بالوقود بتمويل قطَري، وإدخال أموال المنحة القَطَرِيَّة لتغطية رواتب موظفي القطاع لمدة ستة أشهر). دافع الناطقون الرسميون باسم «حماس» عن هذا التفاهم، بوصفه عودة لتفاهمات ما بعد عدوان 2014، كتفاهمات «وافق عليها الكل الوطني»، بل، واعتبروه «إنجازاً» و«مقدمة لإنهاء الحصار». بالمقابل، أكد عضو اللجنتيْن التنفيذية لمنظمة التحرير والمركزية لحركة «فتح»، عزام الأحمد، أن «التفاهم» لم يحظَ بموافقة «فتح» و«المنظمة» والرئيس أبو مازن، وأن«التحرك المصري بعيد عن تحرك دولة قَطر والمبعوث الأممي لعملية السلام، نيكولاي ميلادينوف»، وهاجم تجاوز الطرفين الأخيريْن وحركة «حماس» ل«الشرعية الفلسطينية». 

هنا، بداهة أن من غير الجائز، ولا المقبول، وطنياً وإنسانياً وأخلاقياً، دعوة أهل قطاع غزة المُحاصر المُجوَّع المُدمَّر إلى الغليان حتى التبخّر. بالمقابل، بداهة، أيضاً، أنه من مجافاة الحقيقة تبرئة ساحة حركتيْ «فتح» 
و«حماس» من المسؤولية عن استفحال أزمة القطاع الشائكة المُعقدة متعددة الأوجه، وعن تسهيل طريق كل الساعين إلى استغلالها، والاستثمار فيها، واتخاذها عدة شُغلٍ لتصفية القضية الفلسطينية. كيف لا؟ وقيادتا الحركتيْن ما انفكتا تضعان الشروط التعجيزية لإنهاء انقسامهما الأسود المُدمِّر، في ظل علمهما، أكثر من غيرهما، إن أي «تهدئة» مع الاحتلال مقابل تخفيف الحصار، أو حتى مقابل إنهائه، في ظل استمرار الانقسام، لن تكون بلا ثمن سياسي، آخذين بالحسبان حقيقة أنه فيما تستمر مصر في تقديم مقترحاتها المتوازنة لتنفيذ اتفاقات الحركتيْن، بل الاتفاقات الوطنية ل«المصالحة»، تواصل حكومة الاحتلال والإدارة الأمريكية استغلال البعد الإنساني في أزمة القطاع لتحويل هذا الانقسام إلى انفصال بين الضفة والقطاع، وذلك في إطار التطبيقات الميدانية الجارية لفصول مؤامرة «صفقة القرن»، وقاعدتها «قانون أساس القومية» الصهيوني، ومن خلال عرقلة جهود الوساطة المصرية عبر تسهيل طريق تدخلات أطراف دولية وإقليمية، في مقدمتها دولة قَطَر، والمبعوث الأممي ل«عملية السلام»، نيكولاي ميلادينوف.

هذا يعني أنه إذا كان مسعى استغلال الاحتلال والإدارة الأمريكية والدائرين في فلك الأخيرة لأزمة القطاع الطاحنة أمراً طبيعياً، فإن إمكانية إفشال مسعاهم هي إمكانية واقعية لو أن طرفيْ «السلطة الفلسطينية» في الضفة والقطاع، رجّحا المصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني على مصالحهما الحزبية الفئوية الضيقة، وعلى «سلطتيْهما» المتناحرتيْن، ولا «سلطة» فعلية لهما.

أما حول اعتبار تفاهم «هدوء مقابل تخفيف الحصار» «إنجازاً»، فلنقل: عمَّق هذا التفاهم الانقسام، ولم ينهِ الحصار، كهدف مباشر ل«مسيرات العودة»، فيما لا ضمانة ألا يخرقه الاحتلال، علما أنه لم يتخلَّ، ولن يتخلى، عن شروطه الأصلية لإنهاء هذا الحصار المتمثلة في اعتراف «حماس» ب«إسرائيل»، وب«اتفاق أوسلو والتزاماته»، وسحب سلاح المقاومة، وهدم الأنفاق، وأنه، (الاحتلال)، لن يتردد للحظة في شن عدوان إبادة وتدمير جديد على القطاع، لا يرى من المناسب الإقدام عليه الآن، لأسباب سياسية وميدانية مختلفة ومتداخلة، أولاها: كي لا يدفع الفلسطينيين نحو مواجهة شاملة، تنطوي على احتمال إنهاء الانقسام؛ وثانيها: كي لا يشوش على التطبيقات الميدانية ل«صفقة القرن» الجارية على قدم وساق؛ وثالثاً: كي لا يحرف بوصلة تركيز جيشه وأجهزته الأمنية على «الجبهة الشمالية»؛ ورابعاً: لأن هدف كل عدوان على القطاع، هو إضعاف «سلطة حماس»، لا إسقاطها، اتصالاً بأن «إسرائيل» تريد استمرار الانقسام، ولا تريد العودة لاحتلال القطاع بشكل مباشر، فيما لا منظمة التحرير تقبل العودة إلى تولي «السلطة» فيه على ظهر دبابات جيش الاحتلال، ولا مصر تقبل العودة إلى إدارته كخيار يُفضله ويتمناه قادة الاحتلال، على اختلاف مشاربهم؛ وخامساً: لثبوت أن العدوان على القطاع ليس نزهة، بل ينطوي على خسائر بشرية ومادية ومعنوية باهظة للاحتلال، وعلى إدانات سياسية واسعة له، لا حزب «الليكود»، ولا أي من أطراف ائتلافه الحاكم، مستعد لتحمّل مسؤولية مثل هذه الخسائر والإدانات، في ظل اقتراب موعد إجراء الانتخابات «الإسرائيلية».