شعب لا يُهزم

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي فلسطين 24
2018-11-18 10:56:18
بقلم: علي جرادات

أفشلت يقظة الفصائل الفلسطينية في منطقة خان يونس، محاولة الموساد «الإسرائيلي»، يوم الاثنين الماضي، تنفيذ عملية سرية معقدة وحساسة، بناء على قرار اتخذه رئيس حكومة الاحتلال، نتنياهو، ووزير حربه ليبرمان، ورئيس أركان جيشه آيزنكوت. 

المحاولة كانت تستهدف اختطاف (لا اغتيال)، القائد الثاني في كتائب القسام؛ الجناح العسكري لحركة «حماس»، وذلك في إطار محاولات أجهزة أمن الاحتلال الدائمة لكشفِ خريطة شبكة الأنفاق، ومخابئ الأسلحة النوعية، وأسماء المسؤولين عن إخفاء «المختطفين» من جنود الاحتلال. 

هذا يعني أنه كالعادة، وكما كان مُتوقعاً، لم تلتزم حكومة الاحتلال بالتفاهم غير المباشر الذي توصلت إليه الأسبوع الماضي، مع الفصائل الفلسطينية، وفق معادلة «هدوء مقابل تخفيف الحصار»؛ بل حاولت عصابة الثلاثي نتنياهو وليبرمان وآيزنكوت، استغلال ظرف الهدوء هذا، لتنفيذ عملية إجرامية مبيتة، كان من شأن نجاحها أن يوفِّر لهم معلومات استخباراتية دقيقة تُمكنهم من توجيه ضربة عسكرية جوية خاطفة ومبهرة، لكن «السحر انقلب على الساحر»، حيث صمد الشعب الفلسطيني وصبر، أمام جولة قاسية من سياسة القصف الجوي والبري والبحري البربري لتدمير منازل المواطنين، والمؤسسات العامة، والمقرات الإعلامية، ومواقع المقاومة، ناهيك عن تهديدات قادة الاحتلال بتطوير هذه المعركة إلى حرب تدمير وإبادة «رابعة».

أما الفصائل بوحدة موقفها، ويقظتها وإرادة القتال لديها، فأحبطت محاولة الاختطاف؛ بل فاجأت قادة الاحتلال، حيث وجهت رسائل ميدانية رادعة (أخذها ما يسمى «المجلس الوزاري المُصغَّر»، «الكابينت») على محمل الجد، أولاها إطلاق عدد محدود من الصواريخ دقيقة الإصابة باتجاه مدينة عسقلان، وثانيتها إطلاق نحو 500 صاروخ ومقذوفة قصيرة ومتوسطة المدى، لم تُسقط «القبة الحديدية» منها سوى 100 فقط، وثالثتها وهي الأهم إطلاق صاروخ من طراز «كورنيت» لتدمير حافلة، تم نشْر صورتها وهي تحترق، وإلى جانبها حافلات أخرى، وعشرات الجنود والضباط، وكان ذلك بمثابة تحذير فحواه أنه كان بمقدور الفصائل الفلسطينية لو أرادت أن تقتل وتصيب جميع هؤلاء الجنود.

هنا اضطر رئيس حكومة الاحتلال، وجميع قادة جيشه وأجهزته الأمنية، وأغلب أعضاء «الكابينت»، بعد 48 ساعة، إلى الموافقة على وقف إطلاق النار، والعودة إلى حالة «الهدوء»، في ظل معارضة أربعة من أعضاء «الكابينت»، وتظاهرات احتجاجية أطلقها مستوطنو المستوطنات المحاذية لقطاع غزة، وموجة انتقادات لاذعة لأعضاء حكومة الاحتلال، ولرئيسها نتنياهو بالذات، الذي دافع عن نفسه في تصريح مقتضب، خاطب فيه «الإسرائيليين» فحواه: (تواجه «إسرائيل» مخاطر وتحديات أمنية كبيرة وكثيرة، مما يفرض التعامل معها وفق اعتبارات وأولويات، لا أستطيع في ظل حالة الطوارئ السائدة أن أطلعكم على أي منها). 

كان هذا التصريح بمثابة ردٍ على انتقادات أحزاب «المعارضة»، وعلى انتقادات وزير حرب الاحتلال، ليبرمان، حتى قبل إعلان استقالته، وانسحاب حزبه، («إسرائيل» بيتنا) من حكومة نتنياهو، بعد اتهامها ب«الخضوع»؛ بل واتهام قادة جيش الاحتلال ب«الخضوع للمستوى السياسي الذي لم يتخذ القرارات اللازمة لاستعادة قدرة الردع «الإسرائيلية». هذا يعني أن دولة الإحتلال ذاهبة إلى انتخابات مبكرة.

وإذا شئنا تحديد طبيعة المأزق الذي يعيشه قادة الاحتلال، فلنقل: إنه مأزق مشروع ونظام، لا مأزق نخب.. إنه مأزق التناقض بين تآكل قدرة الردع وعوامل القوة، وأولها العامل العسكري، وبين فائض الطموح المثقل بإحلال الأفكار الأيديولوجية محل الواقع، لدرجة الظن أن ما لا يتحقق بالقوة يتحقق بالمزيد من القوة، وبأنه يمكن تجاوز الوطنية الفلسطينية وهزيمة الفلسطينيين وتصفية قضيتهم، فيما جاءت جولة المواجهة الأخيرة بين جيش الاحتلال والفصائل في قطاع غزة المحاصر، لتؤكد مرة أخرى أن الفلسطينيين شعب مقاوم لا يهزم.