عن "حماس" باختصار

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي فلسطين 24
2018-12-05 10:21:08
بقلم: عبد الغني سلامة

طوال الفترة التي سبقت الانتفاضة الأولى، ظلت جماعة الإخوان المسلمين في فلسطين تنظيما هامشيا، ولم تتحول إلى حزب شعبي، إلا بعد أن تحولت إلى «حماس»؛ فعندما كان نشاط الجماعة وأهدافها متركزة على «الدعوة»، وفي إطار المساجد، ودون أي تصادم يذكر مع الاحتلال؛ ظلت حزبا نخبويا.. ولكن ما أن أعلنت عن انطلاقتها حتى بدأت تستقطب مزيدا من الجماهيرية، والسر في ذلك، أنها طرحت برنامجا مقاوما؛ فالشعب الفلسطيني لم يلتف (تاريخيا) إلا حول التنظيمات التي تتصادم مع الاحتلال (فهذا هو معياره وديدنه)، وقد زادت شعبية الحركة أكثر بعد الانتفاضة الثانية، أي بعد أن بدأت تنفذ عمليات عسكرية في العمق الإسرائيلي.
 
وإضافة إلى تبنيها نهج المقاومة، ثمة سببان آخران وراء تنامي شعبيتها، الأول: طرحها برنامجا سياسيا معارضا، يرفض نهج التسوية جملة وتفصيلا، والثاني، رفعها في حملتها الانتخابية برنامجا إصلاحيا، عوّل عليه الشعب إصلاح الخلل القائم في السلطة الوطنية.

ما يعني، أن الشرعية التي استمدتها «حماس» تكمن في هذه الأقانيم الثلاثة: المقاومة، تطهرها السياسي، وعودها بالإصلاح المالي والإداري، ولم يكن «الدين» بحد ذاته معيارا لقبول أو رفض «حماس»، على الأقل من ناحية الشعب.. ومع ذلك، لم يدر في مخيلة الجماهير أن وعود «حماس» وبرامجها الطامحة ستكون بمعزل عن «فتح»، أو خارج إطار منظمة التحرير، أو أن تكون بديلا عنها، فضلا عن أن تكون متصادمة معها.. 

الرهان الشعبي على «حماس» كان على أساس مشاركتها السياسية في النظام السياسي الفلسطيني، ومعارضتها من داخل البيت الفلسطيني، باعتبارها حركة فلسطينية.

حين انطلقت «حماس» طرحت نفسها بديلا عن الإجماع الوطني القائم (فصائل منظمة التحرير)، فشقت لنفسها دربا كفاحيا بمعزل عن الكل الوطني، ذلك لأنها كحزب أصولي، لا تقبل بالشراكة، ولا تؤمن بها، وترى في نفسها الحق الحصري بتمثيل النضال الفلسطيني. وقد استمر نهجها الإقصائي حتى اليوم.

وعندما خاضت الانتخابات التشريعية (2006) نصحها أصدقاؤها ألا تشارك بقائمة كاملة، حتى لا تشكل أغلبية برلمانية، لأن ذلك سيدخلها عالم السياسية (وهي ليست جاهزة لذلك)، وسيحمّلها أعباءً ليست بقادرة عليها.. لكنها أصرت على خوض الانتخابات بقائمة كاملة، وحينها حصلت المفاجأة، التي فاجأت «حماس» نفسها، حيث فازت بأغلبية المجلس التشريعي.

ثم نصحها حلفاؤها ألا تشكل حكومة، لأن ذلك سيجعلها في مواجهة المجتمع الدولي، وسيؤثر على مصداقية برنامجها الكفاحي المقاوم. بيد أنها أصرت أيضا على تشكيل حكومة حمساوية دون شراكة مع أحد.

هذا الأمر أدخل القضية الفلسطينية في منعطف ضيق، وأدى إلى فرض عقوبات وحصار على السلطة الوطنية وعلى الشعب الفلسطيني ككل. ومن ناحية ثانية أفقد «حماس» صدقيتها في موضوع الإصلاح؛ فالإصلاح كما وعدت به، يقتضي أن تجلس في المعارضة، تراقب وتصوب، وتمنع التجاوزات، أو أن تدخل بشراكة في السلطة، لكنها لم تقدم على أي خطوة إصلاحية، بل مارست الفساد.

وبعد أن رأت بدايات تدهور الحالة الفلسطينية، بدلا أن تصحح خطأها، ذهبت به إلى أبعد نقطة ممكنة؛ أقدمت على الانفصال، وأعلنت ما سمته «الحسم العسكري»، واستفردت بحكم قطاع غزة، ما أدى إلى انقسام النظام الفلسطيني، ودخول القضية الفلسطينية منعطفا جديدا، أسوأ من سابقه، إذ أودى، بوضوح، بعدالتها.. وجاء هذا على حساب الدم الفلسطيني، وعلى حساب السلم الأهلي والوحدة الوطنيّة، وعلى أنقاض صورة فلسطين المشرقة. 

وبعد أن طرحت نفسها بديلا عن منظمة التحرير، سعت لدخول المجتمع الدولي، وحاولت انتزاع اعتراف دولي، أو إقليمي بحكمها للقطاع، ما جعلها تبدأ بسلسلة من التنازلات السياسية، غير المتوقعة.. هذا المسعى جعلها تتحالف مع أي طرف إقليمي يدعم وجودها، فعلت ذلك مع إيران، وسورية، وقطر، والسعودية، ومصر.. وجعلها تدخل (وتُدخِل معها القضية الفلسطينية) في لعبة المحاور الإقليمية.

مشكلة «حماس» أنها حاولت الجمع بين ثنائيات متناقضة: أن تُظهر نفسها كحركة مجاهدة تتمسك بالمقاومة، وفي نفس الوقت تسعى لدخول النادي الدولي وأن يعترف العالم بها، بكل ما يعني ذلك من مقتضيات العمل السياسي واشتراطاته الدولية. أي المزاوجة بين مقتضيات الحكم وشعارات المقاومة.. أرادت تثبيت التهدئة، دون أن يتهمها أحد بأنها تخلت عن المقاومة.. أرادت أن تفرض نظاما اجتماعيا ينسجم مع رؤيتها الأيديولوجية دون أن تُتهم بأنها تقيد الحريات العامة.. أرادت أن تقيم حكومة خالية من المحسوبيات والواسطة، ولكنها في نفس الوقت وظفت الآلاف من عناصرها ومؤيديها.. وهذه متناقضات يستحيل الجمع بينها.

لم تراعِ «حماس» أنها تحكم قطاعا صغير المساحة ومكتظا بالسكان، يعاني من عشرات الأزمات؛ ويخضع لحصار دولي، وعدوان عسكري كاسح. كان يجدر بها تفهّم هذه الظروف، وما يحيط بها من معوقات وعراقيل، مع الأخذ بعين الاعتبار ضعف الإمكانيات، والمتطلبات الكثيرة والمعقدة لتركيبة سكانية كثيفة.

برنامج «حماس»، اليوم، لا يختلف عن برنامج السلطة، بل إنه ذو سقف سياسي أقل بكثير، فهي لا تقبل بدولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران وحسب، كما أعلنت في وثيقتها الأخيرة، بل هي مستعدة للقبول بدويلة غزة فقط، والتنازل عن القدس، واللاجئين، والضفة الغربية.. مستعدة لقبول هدنة طويلة الأمد (15~20 سنة) مقابل السولار، والرواتب، وميناء في قبرص ومطار في العريش، وسيطرتها على معبر رفح.. أي مقابل بقائها في الحكم، وإدامة الانفصال.. حتى لو أدى ذلك إلى تصفية القضية الفلسطينية.

ما يعني أن حربها الدعائية ضد منظمة التحرير، وكل شعاراتها السابقة، من تحريم المفاوضات، وتحريم التنازل عن شبر من الأرض، بل وتجريم كل العملية السلمية.. والتي تراجعت عنها اليوم، وانقلبت عليها، إنما كانت شعارات مزاودة، أو على الأقل تم بيعها من أجل إدامة سيطرتها على غزة.

أوقفت «حماس» عملياتها في الداخل منذ 2004، وهي اليوم رغم صواريخها مكبلة تماما، وكل ما تفعله من «مسيرات عودة»، و»إرباك ليلي»، وتهديدات.. إنما لتحسين شروط مفاوضاتها مع إسرائيل.

ليس أمام «حماس» إلا أن تنهي الانقسام فورا، وأن تعود حركة مقاومة، وأن تدخل في النظام السياسي الفلسطيني كشريك كامل.. هذا يعفيها من كل مسؤوليات غزة، وأزماتها ومشاكلها، ومن متطلبات دخول المجتمع الدولي.. لأن هذه الأمور تُطلب من الحكومات، ولا تُطلب من الفصائل والأحزاب.. وبالتالي سيكون بمقدور «حماس» أن تقوم بالإصلاح الذي وعدت به، وأن تمارس كفاحها كفصيل وطني فلسطيني.. غير ذلك، يعني ببساطة أن «حماس» تتصرف كتابع لجماعة الإخوان المسلمين، وتنفذ أجندتها، ولا تتصرف كفصيل وطني فلسطيني، يهمه مصلحة القضية، ومصلحة الشعب الفلسطيني، بالذات سكان غزة، الذين يعيشون أسوأ فصول حياتهم.