لا مناص من المقاومة

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي فلسطين 24
2018-12-23 11:20:10
بقلم: علي جرادات

فور تسلمه منصب وزير الحرب، تعهد رئيس حكومة الاحتلال، نتنياهو، بأنه سيعمل على تسريع الاستيطان في كل مكان من «أرض إسرائيل»؛ لذلك لا عجب في أن تتذرع حكومة المذكور بالعمليات الفدائية، التي وقعت، قبل أسبوعين، ضد جنود ومستوطنين في منطقتيْ رام الله والقدس؛ لتنفيذ فصل جديد من فصول مخطط، (يجري تنفيذه على قدم وساق)؛ لضم الضفة، واستكمال تهويد القدس؛ عبر قرارها القاضي «بتهيئة الظروف والشروط القضائية»؛ لتشريع نحو 60 بؤرة استيطانية وتوسيعها، ولبناء المزيد من المستوطنات والوحدات الاستيطانية الجديدة. هذا عدا عن اتخاذ عدة قرارات عدوانية؛ أولها لإطلاق يد جيشها ومستوطنيها؛ لاستباحة الضفة، وثانيها لتسريع عمليات هدم منازل منفذي عمليات المقاومة، (في غضون 48 ساعة)، وثالثها ل«قوننة» إبعاد أفراد عائلاتهم، وهو القرار، الذي أقره «الكنيست» ب«القراءة التمهيدية»، يوم الأربعاء الماضي؛ وذلك رغم الاعتراض، الذي صدر من: «المستشار القانوني» لهذه الحكومة؛ (خشية تعريض «إسرائيل» للمساءلة أمام المحاكم الدولية)، وقادة أجهزة أمن الاحتلال؛ (خشية زيادة تدهور الوضع الأمني في الضفة).

هنا يتضح أن «الاستيطان هو جوهر الصهيونية»، ووليدتها («إسرائيل» اليهودية)، كما أعلن أكثر من رئيس لحكومة الاحتلال، وليس فقط «شامير»، الذي انتدب، قبل وفاته، نتنياهو هذا لزعامة حزب «الليكود». ويتضح، أيضاً، (وهنا الأهم)، لماذا رفضت حكومات «إسرائيل» المتعاقبة، بمشاربها الحزبية المختلفة، وقْفَ عمليات مصادرة الأرض، واستمرت بالاستيطان والتهويد، خلال 25 عاماً من مفاوضات «مدريد- أوسلو»؟ ويتضح، أيضاً وأيضاً، معنى عبارة «شامير» الشهيرة: «سأفاوض الفلسطينيين لعشرين عاماً»، كعبارة عبر عن مضمونها، بشكل آخر، مهندس اتفاق «أوسلو»، «رابين»، حين قال: «لا مواعيد مقدسة». ويتضح، أيضاً وأيضاً وأيضاً، معنى أن يرتفع عدد المستوطنين في الضفة خلال مرحلة ما بعد «أوسلو» من 100 ألف مستوطن إلى 600 ألف مستوطن، ومعنى أن يصبح عدد المستوطنين في القدس وحدها 200 ألف مستوطن. 

لكن بالمقابل، ورغم كل ما تقدم، ثمة معنى أن ينتقل المستوطنون في الضفة والقدس من الهجوم إلى الدفاع، وأن تتراجع عربدتهم، في سنوات انتفاضة 87 الشعبية الكبرى، وسنوات انتفاضة 2000 المسلحة؛ بل وانتقل عدد كبير منهم إلى السكن في الأراضي المحتلة عام 48، وحُظر عليهم السفر دون حراسة جيش الاحتلال، حتى عند استخدامهم الطرق الالتفافية الخاصة بهم، ومُنعوا من التجمهر عند مفارق الطرق، وفُرضَ عليهم عدم التحرك إلا وسلاحهم معهم. كانت تلك هي التعليمات الأمنية الصارمة، التي فرضتها على هؤلاء المستوطنين حكومات الاحتلال وأجهزتها الأمنية، بينما التزموا هُم بها، وبغيرها من التعليمات، التزاماً حديدياً. وأكثر من ذلك، فقد تقلصت، إلى درجة كبيرة، حركة هؤلاء المستوطنين، عند مفارق طرق الضفة؛ بل وغادر عدد كبير منهم بيوتهم، في فترة هبة 2015، أي هبة الطعن والدهس وإطلاق النار والزجاجات الحارقة، والاشتباك مع جيش الاحتلال عند نقاط التماس.

هذا يعني أن قادة الاحتلال وجنوده وأفراد عصابات مستوطنيه، (ورغم ما بحوزتهم من ترسانة عسكرية وتكنولوجية لا نظير لها في المنطقة)، هم ككل الناس لا يصنعون تاريخهم على هواهم؛ بل في إطار ما يواجههم من ظروف. هنا يجدر استحضار هذه المقولة المفعمة بالقدرة على الفهم والتحليل للقول: إن تمادي حكومة الاحتلال، بقيادة نتنياهو، لدرجة إطلاق يد جيشها ومستوطنيها لاستباحة الضفة الغربية، وقلبها القدس، ما كان ليكون على هذا المستوى من البربرية والوحشية والتطرف لو أن المُحتلين يواجهون مقاومة وطنية مُوحدة شاملة ومنظمة، تستلهم، ولا نقول تستنسخ، تجربة وخبرة ودروس الانتفاضتيْن «الأولى» و«الثانية». ويعني، أيضاً، أنه لا خيار أمام الفصائل الفلسطينية، وأمام حركتيْ «فتح» و«حماس» تحديداً، غير استعادة خيار «الوحدة والمقاومة»، في إطار برنامج سياسي واحد، وقيادة واحدة، كخيار لا مناص منه؛ لمواجهة فائض غطرسة قادة الاحتلال، وتغول جيشه، وفلتان مستوطنيه.