أعدَموه حفاظاً على البيئة!

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي فلسطين 24
2018-12-29 13:21:42
إعدام فلسطيني للحفاظ على البيئة!
بقلم: جدعون ليفي

لماذا قتلوا عمر عواد إذ أطلقوا النار على سيارته. ست رصاصات أصابت جسده من الخلف وقتلته في مكانه. لماذا كان يجب إطلاق النار وقتله، في الوقت الذي في أعلى الطريق الترابية كانت قوة من حرس الحدود يمكنها اعتقاله بسهولة؟ لماذا القتل بالنار هو الرد الأول والسهل بطريقة مخيفة وهو دائماً الرد التلقائي والأعمى على كل خرق للنظام الذي أملاه المحتل؟

صحيح أن عمر عواد اشتغل بعمل يمس بجودة البيئة ـ ليس هناك مثل سلطات الاحتلال من يحافظ على جودة البيئة في المناطق المحتلة وكأنهم نشطاء في «السلام الأخضر» ـ وصحيح أنه لم يتوقف عندما طلبوا منه التوقف كما يبدو، وربما حتى أنه اصطدم بسيارته أثناء هربه. هل هذا يكفي من أجل إعدامه. 20 رصاصة في سيارة «التندر» التي أخذت في الابتعاد، 6 منها اخترقت جسده، لم تترك له أي احتمال.

كل ذلك بسبب إحراق ممنوع لأسلاك الكهرباء التي تلوث هواء المستوطنات الإسرائيلية ومنها «امتسيا» و«لخيش» اللتين تقعان غرب جدار الفصل.

لقد كان عمره 22 سنة عند موته، شاب تربى بدون أب، وجد مصدر رزقه وإعالة والدته التي عاش معها في بيت متواضع، من خلال جمع أسلاك الكهرباء التالفة واستخراج أسلاك النحاس من داخلها. «إذنا» هي بلدة في الجنوب، يعيش فيها 30 ألف نسمة، وتقع غرب الخليل، ليس بعيداً عن جدار الفصل الذي أغلبه هنا هو جدار اسمنتي مرتفع. عائلة عواد موجودة ليس بعيداً عن مركز البلدة التي تعج في الظهيرة بالسيارات، جزء منها مسروق من إسرائيل، التي تسير بصعوبة في الشوارع الضيقة والمهملة.

«أنت جدعون؟ جدعون ليفي»، سأل بالعبرية أحد الأخوة وهو يتقدم نحونا على الدرج في المبنى المكون من عدة طوابق للعائلة، نظراته حزينة وثاقبة. «أنت شاركت في البرنامج التلفزيوني «الحمى»؟» سألني وأضاء وجهه للحظة. بقايا ابتسامة ظهرت على شفتيه. السؤال حيرنا. برنامج وثائقي واقعي منسي بث في صيف 2015 في قناة الكوابل «هوت» في عزاء في قرية فلسطينية.

الأخ الثاكل محمد واصل: «أنا أحب الاستماع ليورام شفتين ونتان زهافا في راديو 103، أنا أذكر مسلسل «أرض المستوطنين لحاييم يفين». عمره 31 سنة، الأخ البكر لعمر المتوفى، الذي يعيش في الطابق الأرضي في البيت مع زوجته وولديه الصغيرين، اللذين يركضان الآن في البيت بقمصان باللون البني.

إلى أن فقد شقيقه قبل أسبوعين تقريباً، أمضى معظم حياته في العمل في إسرائيل، مثله مثل شقيقيه الآخرين وشقيقهم الميت. هم لم يعتقلوا ولم يتورطوا في أي شيء. «نحن ناس عاديون، لم نكن ولا مرة ضد. ليس لنا أي ماض، لسنا مرتبطين بأي منظمة، عاديون. وصلنا من بئر السبع وحتى كريات شمونة، عملنا في كل مكان»، قال محمد. طوال سنوات عمل في تركيب مخازن «ايغوز»، مخازن في الحدائق في البيوت الخاصة ـ حتى أنه ذات مرة ركب مخزناً في حي المستوطنين جفعات أفوت في الخليل. عمر كان أعزب. «هذا ولد تربى بدون أب، والده توفي قبل 14 سنة وهو الآن عمره 22 سنة، يمكنك حساب عمره عندما توفي والده، 7 ـ 8 سنوات، لقد بقي مع والدته لإعالتها.
الأم عائشة (58 سنة) دخلت إلى الغرفة بتثاقل، وتقريباً لا تنطق بأي كلمة. لها أربعة أولاد وابنتان، عاشت هي وعمر في الطابق الثاني في البيت، وغرفة الضيوف فيه التي نجلس فيها كانت غرفة نوم عمر الذي لم تكن له خطيبة.

العمل في إسرائيل لم يرق له، ومن أجل الحصول على تصريح عمل يجب دفع 2500 شيكل شهرياً للوسيط. لذلك قرر قبل عدة أشهر العودة للعمل القديم لوالده: جمع الخردة المعدنية في المناطق، وتفكيكها وبيعها لبائعي الخردة. كان يجمع أو يشتري أسلاك الكهرباء القديمة ويذهب إلى حقول إذنا ويقوم بحرقها ويستخرج منها أسلاك النحاس الذي انخفض سعره في السنوات الأخيرة. أيضاً يوم الثلاثاء قبل أسبوعين ونصف تقريباً في 11 كانون الأول، كان الأخوة في العمل، محمد كان في كريات غات، وإبراهيم في اسدود، وعماد كان في المدرسة إذنا حيث يعمل نائباً للمدير. وعمر ذهب لإحراق الأسلاك. في نفس اليوم لم يجد محمد عملاً، وبحث عن عمل عرضي في محيط عسقلان إلى أن تقدم منه شاب فلسطيني، عامل مثله، وأبلغه بأن هناك عملية قتل في البلدة.

الوقت كان في الصباح المتأخر. محمد قال إنه لم يهتم بشكل خاص بما سمعه عن عملية القتل، حيث إذنا بلدة كبيرة، لكن الشاب أكد ووصله بالهاتف مع شخص من البلدة الذي قال له: إن الشاب الذي قتل كان يعمل في إحراق أسلاك الكهرباء. الآن يقول محمد «فهمت». تصفح الـ»فيسبوك» بقلق: «خشيت أن يظهر اسمه. لم أصدق، لم أرغب في أن أصدق».

اتصل بشقيقه عماد، نائب مدير المدرسة، والأخير أكد له النبأ المرير. كنا مندهشين، من يحرق الاسلاك يقتلونه هكذا؟ لنفرض أنه ارتكب مخالفة وأخل بالقانون، ولكن حتى القتلة لا يقتلونهم. ذهبت إلى المحطة وعدت إلى الخليل. وصل إلى المستشفى الأهلي في المدينة والجثة كانت جثة شقيقه.

لوحتا تعريف

نحن سافرنا إلى موقع عملية القتل الذي يقع على بعد بضعة كيلومترات عن البيت، غرب إذنا التي يحيطها جدار الفصل. شارع مضطرب يخرج من البلدة يتحول في النهاية إلى طريق ترابية أكثر سوءاً. لا يمكن السير فيها بسرعة. الساعة تقريباً العاشرة صباحاً عندما عاد عمر إلى إذنا كما يبدو بعد إحراق أسلاك الكهرباء غير بعيد من هناك.
سيارة للإدارة المدنية انتظرت في مفترق تقاطع طريقين ترابيتين، بعد حظيرة أبقار وقبل حظيرة أغنام. ربما وضعوا له كميناً، ليس واضحاً بأي سرعة كان يقود السيارة، لقد كان وحده في «التندر». شهود عيان قالوا إن لوحة السيارة الأمامية كانت لوحة فلسطينية والخلفية كانت إسرائيلية. ربما بسبب ذلك لم يتوقف.

لا يوجد شهود على أن من كانوا في سيارة البرلنغو طلبوا منه التوقف. ربما أشاروا له، وربما الطريقة التي توقفت فيها سيارتهم تغلق الطريق بشكل جزئي، كان يجب أن تشير إليه بالتوقف. لكن حتى أخوته يعترفون أنه لا شك في أنه حاول الهرب من رجال الإدارة المدنية. حسب أقوالهم كان قد خشي من أن يضبط بعمل محظور ويضطر لدفع غرامة بآلاف الشواقل. هم قالوا إن سيارة الإدارة المدنية بحثت في ذلك اليوم عن سارقي الكوابل بمرافقة قوة من حرس الحدود.

على بعد مئات الأمتار من المكان الذي توقفت فيه البرلنغو تم وضع حاجز فجائي لشرطة حرس الحدود. هناك كان يمكن ايقافه بسهولة. 

قال شهود العيان. عمر مر عن البرلنغو باتجاه البلدة. الشهود يقولون إنه حينها خرج شرطي وشرطية من حرس الحدود وأطلقوا النار على السيارة الهاربة. «تندر» عمر واصل التقدم لمسافة 400 متر تقريباً إلى أن اصطدم بصخرة على جانب الشارع. ثمة حمار كان يرعى الأعشاب الخضراء في حقل على جانب الشارع. آمنة جياوي التي تعيش في البيت قبل الأخير في إذنا، أمام موقع الحادث، قالت إنها سمعت الضجة وخرجت من بيتها، عندها رأت امرأة ورجلاً بالزي العسكري وهما يطلقان النار على سيارة عمر. حسام جياوي الذي يسكن في البيت نفسه خرج في هذه الأثناء غاضباً من بيته: «ما حدث هو قتل. لقد قتلوه بدم بارد».

بعد توقف السيارة أخرج شرطة حرس الحدود الجثة منها وتم استدعاء سيارة إسعاف فلسطينية إلى المكان حيث أخلت القتيل. بعد ذلك رمت شرطة حرس الحدود المعدات التي كانت في سيارة «التندر» وهي قفازات عمل وأشياء أخرى. الجارة قامت بجمع هذه المواد والتقطت صورة معها. في إذنا يعتقدون أن الشرطة رمت المعدات هذه لإخفاء حقيقة أن عمر كان عائداً من عمله. بعد ذلك قوة من حرس الحدود قامت بمصادرة السيارة.

وجاء عن شرطة إسرائيل أنه من التحقيق الذي أجري «تبين بشكل واضح أن الأمر يتعلق بمحاولة للمس بقوات الأمن في المكان، المتهم بعد أن اصطدم بسيارة الإدارة المدنية بدأ بالسفر نحو جندي حرس الحدود محاولادهسه، الجندي أطلق الرصاص في الهواء. وعندما لم يتوقف المشبوه أطلقت النار على سيارته. بعد إخلائه للعلاج توفي المشبوه متأثراً بجراحه».

الآن تم سحب تصاريح العمل التي كانت بحوزة إخوته كما هو دارج بعد كل حادثة يقتل فيها فلسطيني، كي لا يقوموا بالثأر. هكذا ضوعفت كارثتهم. ها هي الصورة الأخيرة لعمر: شاب له جسم رياضي، يرتدي قميصاً سكنياً، يظهر جسمه الرياضي، في الاستوديو في إذنا. وهذه صورة أخرى التقطت قبل ثلاثة أشهر: عمر يقف فوق صخرة مع صديق له على شاطئ البحر في عسقلان وهو يبتسم.

جدعون ليفي

هآرتس