السلام المستحيل

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي فلسطين 24
2018-12-30 09:21:16

تزايدت التكهنات أخيراً عن قرب إطلاق صفقة القرن خاصة بعد تصريحات نيكي هيلي سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، والتي أعلنت فيها أن إدارة ترامب أعدت خطة للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ووصفتها بالأكثر ابتكاراً، وللمرة الأولى يتحدث مسؤول أميركي بوضوح عن تلك الصفقة الغامضة، ويؤكد أن بها أموراً كثيرة ترضي الطرفين، وأن كلاً من الإسرائيليين والفلسطينيين ـ بحسب وصفها ـ سيستفيدون من صفقة السلام، وحذرت في الوقت نفسه من رفض تلك الخطة لأن الوضع القائم سوف يستمر خمسين عاماً أخرى على الأقل دون حل.

تسريبات كثيرة خرجت بعد تلك التصريحات حول شكل الصفقة ومضمونها، وأبرز تلك التسريبات أشارت إلى أن الصفقة تتضمن إقامة دولة فلسطينية تشمل حدودها قطاع غزة وأجزاء من الضفة الغربية، وتأجيل قضيتى القدس واللاجئين، مع توفير 10 مليارات دولار لإقامة الدولة الفلسطينية وبنيتها التحتية بما في ذلك المطار والميناء البحري، وإيجاد حلول لمشكلات الإسكان والزراعة والصناعة.

هي صفقة يريد ترامب تمريرها بطريقته وأسلوبه ليسجل أنه نجح فيما فشل فيه الآخرون طوال 70 عاماً منذ اندلاع الأزمة عام 1948 وقيام دولة إسرائيل، والمشكلة أن ترامب هو من قام بالموافقة على نقل السفارة الأميركية إلى القدس ليستبق نتائج المفاوضات.

بغض النظر عن تلك الصفقة المشبوهة وأغراضها أو أبعادها، ونتائجها، فإن ما حدث من تطورات درامية في إسرائيل أخيراً أصاب مفاوضات السلام المرتقبة في مقتل، فقد انهار التحالف البرلماني الذي يقوده رئيس الوزراء الإسرائيلي، وبعد أن كان نتانياهو يرفض الانتخابات المبكرة، عاود التفكير مرة أخرى، وقام بالتعجيل بها، ليصوت الكنيست بالأغلبية على حل نفسه، ويتم تحديد موعد للانتخابات المبكرة في 9 أبريل المقبل.

المشكلة أن كل المؤشرات تشير إلى فرص بقاء نتانياهو رئيساً للوزراء بعد الانتخابات كبيرة جداً ليصبح أكثر رؤساء الحكومات الإسرائيلية استمراراً في موقعه منذ قيام دولة إسرائيل.

نتانياهو هو المستفيد الأكبر من حل الكنيست، وطبقاً للاستطلاع الذي أجرته صحيفة «معاريف الإسرائيلية» ونشرته يوم الثلاثاء الماضي فإن الليكود الذي يتزعمه نتانياهو سوف يحصل على 30 مقعداً، ويفوز الائتلاف الحالي بـ 63 مقعداً، أي أن اليمين المتطرف مازال يحظى بأغلبية واضحة في الشارع، وبالتالي سوف تكون الحكومة المقبلة أكثر تطرفاً، وأشد عداء للفلسطينيين والعرب.

إجراء الانتخابات المبكرة في إسرائيل معناه باختصار وقف الحديث عن أية مبادرات بما فيها صفقة القرن المشبوهة، انتظاراً لنتيجة الانتخابات المقبلة، وفي كل الأحوال فلن يكون هناك جديد في نتائج تلك الانتخابات، حتى لو حدثت المعجزة وتمت الإطاحة برئيس الوزراء في الانتخابات، وفشل حزبه، فالقادم لن يكون أفضل بما فيها أحزاب اليسار والوسط، لأن مزاج الشارع الإسرائيلي الآن يميل في معظمه إلى التطرف والتشدد في مواجهة المطالب العادلة للشعب الفلسطيني.

على الجانب الآخر، فإن جزءاً كبيراً من الأزمة يتعلق بالجانب الفلسطيني نفسه، وعدم قدرته على حل مشكلاته الداخلية، والاصطفاف خلف قيادته، فهناك دولتان وحكومتان، وانقسامات حادة بين الجانبين، وفي كل مرة يتم تهيئة الأجواء للمصالحة، والاتفاق على الخطوط الأساسية، غير أنه سرعان ما تتبخر تلك المحاولات وتتكسر على حواجز الشكوك.

الشعب الفلسطيني ضحى ويضحي، ولا يملك كائن من كان أن يطعن في صحة وسلامة مواقف الشعب الفلسطيني، فهو شعب بطل بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وهو من أكثر الشعوب التي ضحت وتضحي من أجل استقلالها وحريتها، ولايزال يقدم يومياً الشهداء الذين يتساقطون في مسيرات العودة وغيرها من أشكال النضال الوطني دون كلل أو خوف أو تردد.

ورغم الجهود الرهيبة التي بذلتها مصر في لم الشمل الفلسطيني، ورعاية جهود المصالحة، ونجاح هذه الجهود، والمتوافق عليها من الطرفين، غير أنه لم تلبث الخلافات أن نشبت من جديد بين حماس في غزة، وفتح في الضفة، مما أدى إلى العودة إلى نقطة الصفر من جديد.

الأمر المؤكد أن إسرائيل تقوم بدور كبير في إفشال جهود المصالحة، ولا تريد لها أن تتم تحت أي مسمى، بدليل ما تفعله من السماح للأموال القطرية بالدخول إلى قطاع غزة، في إطار خطة ممنهجة لتعميق الخلاف بين قيادتي غزة، والضفة، وإضعاف سلطة الرئيس الفلسطيني محمود عباس.

استمرار الشقاق والصراع يسهم في إهدار تضحيات الشعب الفلسطيني، ويؤجل فرص الحل، ويضعف الموقف الفلسطيني في مواجهة التعنت الإسرائيلي، وأعتقد أن توقيت إجراء الانتخابات الإسرائيلية المبكرة يجب أن يكون فرصة للفلسطينيين للعودة إلى مائدة الحوار، وتطبيق مبادرة المصالحة الوطنية على الأرض.

المصالحة الوطنية هي بداية حل الأزمة، ولو أخلصت القيادات الفلسطينية النوايا، وتجاوبت مع الجهود المصرية الرامية إلى تسوية الخلافات بين الطرفين، سوف تكون تلك الخطوة هي نقطة الانطلاق نحو مواجهة الغطرسة الإسرائيلية، وإنهاء الذرائع بعدم وجود شريك فلسطيني قادر على إدارة ملف المفاوضات مع الإسرائيليين.

كفى 70 عاماً من التشتت والضياع للشعب الفلسطيني، فهو شعب بطل سوف ينتصر عاجلاً أم آجلاً، ولابد للقيادات الفلسطينية أن تكون بنفس مستوى الشعب في التضحية وإنكار الذات، وفي تلك الحالة لن نشغل أنفسنا بنتائج الانتخابات الإسرائيلية، ومن يفوز فيها؟

ولن ننتظر صفقة القرن المشبوهة على أمل أن تحرك المياه الراكدة، فهل يكون عام 2019 هو عام المصالحة والوحدة الفلسطينية.. أم أن الحلم ما زال بعيداً؟!