إسرائيل.. الحرب بين الأمس واليوم

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي فلسطين 24
2019-02-03 10:24:56
بقلم: علي جرادات

بداية، إن بعضاً من لزوم لازم الحرب، أية حرب، هو توافر «جبهة داخلية» متماسكة ومستعدة لتحمل الخسائر البشرية والمادية، وقيادة سياسية وعسكرية لا ينخر عظمها الطيش والعمى الأيديولوجي والغطرسة والعنجهية، أي قيادة لا تطلب من جبهتها الداخلية تقديم ما لا تقوى على تقديمه، ولا تدفعها إلى مهالك لوثات القناعة ب«تفوق العِرق» الخرافية، والحروب المتصلة «إلى الأبد»، والإنكار لحقائق ميزان القوى في الواقع، والاعتقاد بأن ما لا يتحقق بالقوة يتحقق بالمزيد من القوة، وهذا هو كله ما فعلته، ولاتزال، قيادات «دولة» الاحتلال، «إسرائيل»، ب«جبهتها الداخلية»، التي لم تعد، كما كانت، في منأى عن نيران الحروب، ولا عادت مستعدة، كما كانت، لدفع أثمانها، أي الحروب، بالمعنى الشامل للكلمة، في أدناه في العقدين الأخيريْن. أما حول النتائج المترتبة على ذلك، فباتت بائنة فيما يقوله عدد من جنرالات جيش هذه «الدولة الثكنة». 

لقد زادت، في السنوات الأخيرة، وفي الآونة الأخيرة، تحديداً، اعترافات جنرالات جيش «إسرائيل»، بتآكل قدرة هذا الجيش على «الردع». ويلفت الانتباه، هنا، (مثلاً)، اعترافان، الأول هو الاعتراف الذي قدمه، علناً، وأكثر من مرة، «مفوض شكاوى الجنود»، الجنرال يتسحاك بريك، في تقريره السنوي، حيث قال: «ثمة خلل فادح في جاهزية الجبهة الداخلية للحرب.. وثمة نقص كبير في القوة البشرية المطلوبة للحرب.. وثمة زيادة غير مسبوقة في تذمر الجنود، وفرارهم من الخدمة، ورفضهم تأديتها على جبهات القتال»، واستخلص: «الجيش غير جاهز للحرب، وقادته لا يقولون الحقيقة في هذا المجال».

أما الاعتراف الثاني، وهو الأهم، فقدمه، الأسبوع الماضي، في مؤتمر صحفي، الجنرال عاموس يدلين، (الرئيس السابق لجهاز «الاستخبارات العسكرية»)، في معرض تقديمه التقرير السنوي الصادر عن «معهد أبحاث الأمن القومي» الذي يترأسه، حيث قال: «لدى «إسرائيل»، الآن، قوة عسكرية غير مسبوقة.. لكنها لا تستطيع حماية الأمن القومي من الخطر الاستراتيجي القائم في الجبهة الشمالية.. فالحرب التي لا مناص منها، هنا، هي ليست الحرب الثالثة على لبنان، بل الحرب الأولى في الشمال.. ومعادلة المعارك بين الحروب استنفدت نفسها.. ومجتمع «إسرائيل» يريد حسم هذه الحرب في حال وقوعها خلال ساعات، لكن «الإسرائيليين» غير مستعدين لتحمل مقتل عدد من الجنود.. وهذه معادلة غير واقعية». وفي المؤتمر الصحفي ذاته، قال قائد سلاح الجو السابق، الجنرال أمير إيشيل: «إن القوة العسكرية «الإسرائيلية» لن تُخرج إيران من سوريا وإنما فقط الجهود الدبلوماسية الروسية تستطيع ذلك».

هذا يعني أن حال (إسرائيل» اليوم)، جيشاً وجبهة داخلية، هو ليس ذاته حال («إسرائيل» الأمس)، والسؤال الذي لا مناص منه، هنا، هو: كيف يمكن ل«جيش» و«جبهة داخلية» هذا هو حالهما، لناحية الاستعداد للحرب، ولتحمل الخسائر البشرية التي تنطوي عليها، أن يلبيا متطلبات ولزوم لازم الاستراتيجية السياسية لقادة «إسرائيل»، القائمة على أحلام وعنتريات: «إسرائيل» «ستعيش على حد السيف إلى الأبد»، و «وستبقى دولة لليهود إلى الأبد»، و«القدس عاصمتها إلى الأبد»، و«المستوطنات باقية إلى الأبد»، و«الضفة والجولان جزء منها إلى الأبد».

ليس مقصود الكلام أعلاه القول إن «إسرائيل» هذه باتت «نمراً من ورق»، ولا القول إنها فقدت القدرة على شن المزيد من حروب الإبادة الجماعية والتدمير الشامل، بما تملكه من قوة عسكرية وتكنولوجية باغية، بل القول إن جيشها لم يعد مؤهلاً، كما كان، لخوض الحروب البرية، فيما ثبت أن سلاحيْ الجو والمدفعية، لا يحسمان حرباً، ولا يحققان نصراً واضحاً لا لبس فيه، حتى في قطاع غزة المحاصر والمجوَّع، والقول، أيضاً، إن جبهة «إسرائيل» الداخلية باتت عرضة لدفع خسائر بشرية ومادية غير مسبوقة، ولا تقوى عليها، وغير مستعدة لدفعها، وإن زمن جيشها «الذي لا يُقهر»، وانتصاراته السريعة المبهرة، من دون المس بجبهته الداخلية قد ولّى. 

تلك هي الحقائق في الواقع، أما ما يطلقه قادة «إسرائيل» هذه من تصريحات حول قدرة جيشهم على تحقيق النصر في أية حربٍ قادمة فلغو أيديولوجي لا يربطه بالواقع رابط.