مزامير فتح ومقاصل حماس

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي فلسطين 24
2019-02-03 10:28:39
بقلم: صبحي حديدي

قبل زمن ليس بالبعيد استقبل الرئيس الفلسطيني محمود عباس قرابة 300 من "نشطاء السلام" الإسرائيليين، في رام الله، وتعهد أمامهم بمتابعة التنسيق الأمني مع دولة الاحتلال؛ في ردّ على فصائل وأحزاب وشخصيات فلسطينية طالبت بإيقافه، على ضوء الانتهاكات التي ترتكبها سلطة الاحتلال. "التنسيق الأمني مقدّس، وسنستمر سواء اختلفنا أو اتفقنا في السياسة، سوف يستمر"، قال عباس، قاطعاً قول كل خطيب.

يومذاك، وعلى سبيل تنزيه حركة فتح عن هذا القطع، الجامع المانع، عقّب عمر الحروب عضو المجلس الثوري ورئيس لجنة الرقابة في الحركة، قائلاً إنّ عباس يتحدث من موقعه كرئيس لدولة فلسطين، ورؤيته لشكل العلاقات الدولية التي ترتبط بها دولة فلسطين. ولكننا في حركة فتح لا يمكن أن نقبل بسياسة الأمر الواقع أو بالمساومة على الحقوق الفلسطينية التي أقرتها كافة المواثيق والقوانين السماوية والوضعية، تابع الحروب.

بيد أنّ في طليعة أسباب ما يُبتلى به الشعب الفلسطيني اليوم من رزايا، يكمن في هذه الحقائق الكبرى الساطعة: 1) أنّ هذا الرئيس انتُخب سنة 2005 لدورة مدتها أربع سنوات، لكنه دخل في السنة الـ14 من عهده الميمون؛ و2) أنه يحكم في إطار نظام رئاسي منفرد لا رقيب عليه ولا حسيب، بعد تعطيل المجلس التشريعي الذي يعود انتخابه إلى 13 سنة خلت؛ و3) أنه، بذلك، يمارس السلطة بوسيلة إصدار القرارات بقوانين، نظراً لانعدام أية سلطة تشريعية؛ و4) هو في واقع الأمر تجسيد “فتح” ورأسها وهرمها، فضلاً عن تجسيدات أخرى تؤول إليه، في “منظمة التحرير الفلسطينية” و”المجلس الوطني الفلسطيني”.

 والهيئة المستقلة لحقوق الإنسان في فلسطين، أو ديوان المظالم في التسمية الثانية، أحصت 34 قراراً بقانون، صدرت عن رئيس يُجمع ما نسبته 60-68% من الفلسطينيين على مطالبته بالتنحي (حسب أحدث استطلاع رأي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية). وفي مقابل إصرار أعضاء المجلس التشريعي في غزّة على عقد الاجتماعات وإصدار القرارات بقوانين من جانبهم أيضاً؛ لا تخالف الهيئة الصواب حين ترى في هذا “استمراراً لحالة الازدواج والتباين في النظام القانوني، ومساساً مباشراً وتمييزاً واضحاً بين مواطني الدولة الواحدة”. من جانب آخر، تلقت الهيئة عشرات الشكاوى من مواطنين فلسطينيين تعرضوا للتعذيب على أيدي الأجهزة الأمنية للسلطة الفلسطينية، في الضفة؛ كما سجّلت 33 حكماً بالإعدام صدرت عن محاكم عسكرية في غزّة، نُفّذت منها ستة أحكام.

في الآن ذاته، يحدث مراراً أن يشارك اللواء ماجد فرج، رئيس المخابرات الفلسطينية، في لعبة التأزيم اللفظي بين السلطة الوطنية والاحتلال؛ فيعلن أنه تلقى من الرئيس عباس تعليمات واضحة لقيادات الأجهزة الأمنية بمختلف مسمياتها، تطلب وقف جميع الاتصالات وأي نوع من أنواع التعاون مع المؤسسة الأمنية الإسرائيلية. وأمّا مقدّس عباس، أي التنسيق الأمني، فإنه متواصل وقائم على قدم وساق؛ مثله في هذا مثل استبسال أجهزة اللواء فرج في اعتقال النشطاء الفلسطينيين، مقابل عجزها المطلق عن رمي زهرة على أيّ مستوطن يرتكب هذه الجريمة الشنيعة أو تلك.

فكيف، إذن، يصحّ أن تُقرأ توصية اللجنة المركزية لحركة فتح بتشكيل حكومة فصائلية، بمعزل عن هذه الخلفية السياسية والتنظيمية والدستورية والأمنية، المزرية كما يتوجب القول؟ وبالأحرى، مَنْ يملك الحقّ في إعلان تمثيل الشعب الفلسطيني ضمن الحكومة العتيدة، في ظلّ حال الترهل الراهنة التي تعيشها سلطة عباس، على الأصعدة كافة في الواقع؟ وبأيّ معجزات يمكن للحكومة المقبلة أن تنجح في إنجاز حدّ أدنى من الأداء يميزها عن حكومة رامي الحمد الله؟ وكيف لأية معجزة منفردة أن تتحقق تحت شرط الانقسامات الفتحاوية ــ الحمساوية الراهنة، المزرية بدوره؟

وإذا جاز الافتراض بأنّ انتخاب رئيس جديد، فما بالك بمجلس تشريعي جديد، لا يساير اليوم هوى السلطتين في رام الله وغزّة معاً؛ فعلى مَنْ تتلو مركزية فتح مزاميرها، أو تنصب حماس مقاصلها؟