حكومة غير شرعية جديدة تتشكل

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي فلسطين 24
2019-02-03 09:37:49
بقلم: عبد الستار قاسم

تناقلت وسائل الإعلام خبر تقديم رئيس الوزراء الفلسطيني غير الشرعي الحالي استقالته لعباس على أن يستمر في تسيير الأعمال حتى تشكيل حكومة جديدة. ويبدو أن رئيس السلطة غير الشرعي قد شكل لجنة من حركة فتح للبحث في كيفية تشكيل الجديد. وهنا أقول غير شرعي بناء على أن أي حكومة تتشكل لا تصبح شرعية إلا بعد نيل الثقة من المجلس التشريعي، والمجلس التشريعي فقد شرعيته عام 2010 بسبب انتهاء مدة انتدابه، وقضى عليه محمود عباس عندما قررت محكمة تابعة له بحل المجلس بسبب انقضاء مدة صلاحيته. والسبب الآخر أن محمود عباس نفسه غير شرعي أيضا بسبب انتهاء مدة صلاحيته، وكل ما يصدر عن غير الشرعي غير شرعي. الحكومة الحالية غير شرعية، وكذلك الحكومة التي سبقتها والحكومة التي ستأتي. وواضح أن العالم المناصر للصهاينة يتجاوز الشرعية الفلسطينية ويعترف بغير الشرعيين. هذا عالم معني بفوضى الشعب الفلسطيني لما في ذلك إضعاف للشعب وقوة للصهاينة.

هل هناك من موجب لحكومة جديدة؟ عادة تستقيل حكومات أو تُسحب منها الثقة بسبب إخفاقات أو انتهاء مدتها المتلازمة في الغالب مع مدة المجلس التشريعي، أو بسبب ظروف طارئة تتطلب برامج وزارية جديدة تتصدى لهذه الظروف. ومن الملاحظ أن الحكومات الفلسطينية تتشكل دون أن تطرح برامج على الناس، وتختفي دون تحقيق إنجازات في مختلف مجالات الحياة. ولماذا الحكومة الجديدة؟ هل سيكون لديها برامج اجتماعية واقتصادية وثقافية وتربوية وتعليمية وفكرية تُخرج الشعب الفلسطيني مما هو فيه من أوضاع غير مريحة بتاتا ومزرية أيضا؟ هل هناك برنامج لتحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية، وهل هناك برنامج للخروج من مصيبة أوسلو ومن الارتباطات مع الكيان الصهيوني؟ وهل ستكون لها رؤية مختلفة لاستعادة الحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني؟ تقديري أنه لن تُطرح على الشعب برامج جدية، وإنما ستطرح بعض الأفكار الخجولة المغلفة بالغوغائية حول قضايا إدارية ومؤسسية يومية. سيد الحكومة الجديدة عباس لم يتقدم بأي برنامج أو خطة أو رؤية أو استراتيجية للشعب الفلسطيني منذ أن تسلم رئاسة السلطة عام 2005، ولا أظن أنه سيبحث عن حكومة لدى أفرادها قدرة علمية أو معرفية لوضع خطط يمكن تنفيذها وإخراج الشعب من الحلكة التي تواجهه.

أشد ما يحتاج إليه الشعب الفلسطيني الآن هو إعادة بناء المجتمع الفلسطيني الذي تهشمت منظومته القيمية على مدى سنوات سيطرة السلطة على المشهد الفلسطيني. نحن بحاجة إلى إعادة بناء المجتمع الفلسطيني، وإعادة بناء الشخصية الفلسطينية وتثبيت منظومة قيمية أخلاقية تجمع الفلسطينيين وتوحدهم وتمكنهم من مواجهة التحديات التي يفرضها الاحتلال الصهيوني. ونحن بحاجة بعد ذلك إلى بلورة نظام اقتصادي يتناسب مع احتياجاتنا في ظل احتلال يعمل دائما على هدم كل ما هو فلسطيني. وهذا يعني القضاء على الفساد والفاسدين، ويعني الحد من الاستيراد وتطوير الإنتاج، وكبح جماح النفقات التي تصل في الغالب حدود التبذير والإسراف. وأثناء ذلك، من الضروري مواجهة ثلاث أزمات رئيسية يعاني منها الفلسطينيون في الأرض المحتلة/67 وهي: أزمة الشرعية، وأزمة الهوية، وأزمة التوزيع. لا توجد شرعية على الساحة الفلسطينية الآن وفق القانون الأساسي للسلطة الفلسطينية ووفق القانون الثوري لمنظمة التحرير. كما أن الهوية الفلسطينية تحولت إلى أشلاء بسبب صراعات الفصائل وتدهور التماسك الاجتماعي. وتوزيع الحظوظ المادية والمعنوية والمسؤوليات غير عادل بتاتا، وهناك احتكار فصائلي لمقدرات الشعب.

هناك احتكار للقرار والمال على الساحة الفلسطينية. هناك هيمنة فصائلية أو استعمار فصائلي مفروض على شعب فلسطين، ويبدو أن الحكومة الموعودة ستكرس هذا الاحتكار لأن الحديث الذي يدور حولها يتمحور حول فتحاويتها.  هناك اهتمام شعبي فلسطيني بتحقيق مصالحة بين فتح وحماس، وتحقيق وحدة وطنية فلسطينية، ولا أظن أن حكومة فصائلية على أساس الفصيل الواحد أو التعدد الفصائلي ستحل المشكلة. الحل يأتي من خلال تشكيل حكومة تنتمي للشعب الفلسطيني وليس لفصيل أو فصائل. لكن المتتبع لسياسة عباس يخلص بسهولة إلى نتيجة أن الرجل لا يريد حلا للصراعات الفلسطينية الداخلية. نلاحظ أنه اتخذ إجراءات ضد غزة، وعقد مجلسا مركزيا ومجلسا وطنيا بدون توافق فلسطيني، وحل المجلس التشريعي وأبقى نفسه، وسحب موظفيه من المعابر في غزة. والآن يعمل على تشكيل حكومة تفرق ولا تجمع، وهي امتداد لقراراته التي تزيد الفجوة بين الفصائل وبين الناس وتعمق الفتن. ولهذا لن تختلف سياسات الحكومة القادمة عن سياساته المؤذية. أرجو ألا يكون الأمر كذلك، لكن القراءة الجدلية والواقعية لما يدور على الساحة لا تؤشر إلى تغيير سياسي جذري.

ثم ماذا نتوقع من حكومة تلتزم باتفاق أوسلو؟ كل الحكومات السابقة التزمت باتفاق أوسلو، واعتنت بتلبية المتطلبات الصهيونية الواردة في الاتفاقيات، ولم تلتزم بالبناء الداخلي الفلسطيني الذي يعطي للشعب قوة ومنعة ونهضة اجتماعية وثقافية وعلمية وتربوية. إلا إذا كانت الحكومة القادمة عازمة على التخلص تدريجيا من اتفاقية أوسلو وتبعاتها، الأمر الذي استبعده لأن المصالح الشخصية للمتنفذين مرتبطة بصورة وثيقة مع الصهاينة والأمريكيين.

وما هو محزن أن العديد من الوزراء هم أكاديميون، وهم يعلمون بأزمة الشرعية. لكن مصالحهم تغلب مصلحة الشعب الفلسطيني بوجود قانون لا ينتهكه أحد. إنهم يعرفون مبادئ الديمقراطية ويخونون ما يعلّمونه للطلاب وما يتعلمونه وما يزايدون به على شاشات التلفاز.

والأمر الآخر أن وزارة جديدة تعني دخول وزراء جدد إلى قائمة العاهات الوزارية المكلفة للشعب الفلسطيني. هناك رواتب جديدة ومرافقون للوزراء وامتيازات أخرى مكلفة. وعندما تختفي الوزارة سيستمر الشعب الفلسطيني في صرف رواتب لهم. الشعب الآن يدفع رواتب لحوالي 450 وزير سابق أو برتبة وزير، والعديد منهم يعملون في مؤسسات ويتقاضون رواتب. أي المزيد من الناس سيتقاضون أكثر من راتب واحد، وعلى الفلسطيني أن يدفع المزيد من الضرائب والرسوم الباهظة على المعاملات الرسمية لراحتهم.