صفعة كبيرة للجيش

2019-02-11 19:05:48

فلسطين 24- باتت تشهد المؤسسة العسكرية الإسرائيلية مؤخرًا الكثير من النقد في ظل عزوف الشباب عن القبول في التجنيد للوحدات القتالية البرية، وكذلك سلاح المدرعات، في وقت حُمّلت فيه المسؤولية لقائد الجيش السابق جابي آيزنكوت.

ويؤكد تقرير لأحد أهم مراكز الأبحاث الإسرائيلية (معهد دراسات الأمن القومي) أن هذا التراجع في الحافزية للتجنيد، له الكثير من الانعكاسات السياسية الأمنية والمجتمعية على المجتمع الإسرائيلي.

ويشدد على أنّ "إسرائيل" تُعاني من أزمات داخلية كبيرة، وإن كانت لا زالت إلى الآن ذات قُدرة في التعامل معها، فإنّ الفضل في ذلك ليس بفعل قدراتها، بل بفعل الدعم الكبير خارجيًا، والترهل الإقليمي الكبير.

كما يشدد التقرير الذي ترجمه مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني على أن "الأيام ستكشف كم أنّ هذه الأزمات التي من بينها تراجع جيشها، بات يحفر في جدار قوّتها وقدرتها على الصمود".

ويرى المركز أنّ ظاهرة تراجع حافزية التجنيد خطيرة، وعلاجها لن يكون بيد الجيش وحده، بل من خلال "مجتمعٍ يحافظ على قيم الجيش وقيمته، وبتشريب الجيل الشاب أنّ هذه المؤسسة هي الضامن الأساسي لمستقبلهم في ظل عظم التحديات الأمنية واستمراريتها".

ويلفت إلى أن "تراجع الحافزية للتجنيد بات يؤثر بشكل واضح على رضى المجتمع الصهيوني عن جيشه، وإن كان لا زال يحظى بنسب مرتفعة بالمقارنة مع المؤسسات الأخرى، لكنّه لم يعد بقرة إسرائيل المقدسة التي يصعب المساس بها، بل بات ينال نقداً متصاعداً من قبل الجمهور الإسرائيلي".

وينوه المركز إلى أنه "لعلّ التكنولوجيا المتطورة، تُخفي وجود عيوبِ الجيش الذي يُصنف نفسه على أنّه الأقوى في المنطقة، ولكنّ الحروب الأخيرة، وأمام تنظيمات ليست بمستوى دولة، كحرب لبنان أمام حزب الله في العام 2006، وأمام حماس في غزة في العام 2014، كشفت أنّ الحرب تحتاج روح قتالية كبيرة، ونوعية مقاتل من الطراز الأول، وأولى من يجب أن يتخلى بهما، هو المقاتل على الأرض، سواءً في سلاح البر أو المدرعات".

ووفق المعطيات فإنّ التراجع المستمر في حافزية التجنيد آخذة في التوسع والانتشار، حيث تُسجل في كل عام، ارتفاعًا بالمقارنة مع العام الذي سبقه، حيث أنّ اتساع رقعة نزول حافزية للتجنيد، بات أمراً، لا يُمكن للمؤسسة العسكرية إخفاءه بالمطلق.

فقد أظهرت معطيات الجيش، عام 2013، أنّ 29.7% من الجنود المهيأين للتجنيد عبروا عن عدم رغبتهم المشاركة في الوحدات القتالية، فيما كانت النسبة 26.6% في العام 2012، إلّا أنّ الجيش قلل في تلك الفترة من خطورة الأرقام، مُشيراً إلى أنّ الأرقام المذكورة طبيعية.

هذه الأرقام، والتي اعتبرها الجيش في حينه، ليست مدعاة للقلق، لم تتوقف عند هذا الحد، بل وصلت إلى أرقام، باتت باعثًا للقلق عند الجيش، وأيضاً مطالبين بالعمل على تغييرها.

حيث ارتفعت نسبة الرافضين للمشاركة في الوحدات القتالية الى 33%، صيف العام 2014، هذا في ظل اتهامات للجيش، بأنّه لم يكشف الأرقام الحقيقية.

أسباب التراجع

وتتنوع الأسباب التي تقف وراء تراجع حافزية الجنود لقبول التجنيد؛ ما بين ظروف اجتماعية واقتصادية، وتراجع أسطورة المقاتل، وتحميل المتدينين رئيس هيئة الأركان ذلك، فإنّ شريحة واسعة، تُحمّل المتدينين ومحاولات فرض التديين على الجيش.

ويشير الباحث في علاقات الجيش والمجتمع اودي ليبال إلى أنّ تراجع الحافزية مرتبط، بتراجع التضامن العام في المجتمع الإسرائيلي، حيث باتت أسئلة من يتجند؟، في أي ظروف؟، ولماذا؟، تُشير بوضوح إلى تفضيل الفرد نفسه على المصلحة العامة.

ويلفت المحلل العسكري الكبير روني دانييل إلى أنّ هذه الموجة المقلقة من التراجع مرتبطة بأمرين، الأول، التمييز لصالح الجنود المتدينين، واللذين ينالون إجازات تصل لأربعة أضعاف المجند غير المتدين.

أما الثاني –وفق دانييل- هو النظرة للجيش، على أنّه مؤسسة اقتصادية، ما يدفع المجند للتساؤل ماذا سأستفيد من الجيش؟، على عكس الأجيال الأولى التي كانت تطرح التساؤل، كيف بإمكاني افادة جيشي ومجتمعي.

الأبعد من ذلك، وفق التقرير هو ربط التراجع في الحافزية، إلى فقدان الروح، وتراجع الإيمان في صدق الطريق، حيث باتت محبة الأرض، مصطلح سياسي أكثر منه قيمي، كما باتت تُفتقد الروح حتى في جوانب الأسطورة، وكبار وعظماء الشعب، اللذين بتنا نفتقد وجودهم؛ الأمر الذي حوّل الجيش، لمنظومة تفتقد اسطورة وتاريخ، وبالتالي تفتقد إلى الروح.

اللواء السابق جرشون هكوهين، يشير إلى أنّ وجود فئات لا تخدم داخل الجيش، في إشارة للمتدينين "الحريديم" وبعض الفئات الأخرى، ما ساهم في انتشار ظاهرة عدم وجود تحمّل متساوٍ للأعباء، الأمر الذي انعكس على الكثيرين، لرفضهم الوحدات القتالية والتجنيد ككل، من منطلق عدم وجود مساواة.

ويوضح هكووهين أنهم يطالبون بشراكة الجميع في تحمّل أعباء الدولة، أو ترك الموضوع اختياريًا للجميع، وبالتالي "تحوّل الجيش إلى جيش مهني أجير، وليس جيش الأمّة والدولة كما يروق لإسرائيل تسميته".

أسباب أخرى

أما الأسباب الأخرى الداخلية مرتبط بالظروف الاقتصادية، وما يتعرض له بعض أفراد الجيش من معاملة داخل تلك الوحدات، حيث تُشير دراسات الجيش، إلى أنّ الجيل الشاب المتجند للجيش، يُفكر في المستقبل، وتحديداً في جانبه المهني والاقتصادي.

ويببن التقرير إلى أن ذلك يدفعهم للبحث عن وحدات تكنولوجية، توفر له عمل مستقبلي في مجالات الهايتك "الصناعات المتقدمة" في ظل أنّها باتت حلم أي شاب، وأفضل عمل من الممكن أن يعمله الشاب الإسرائيلي.

إلى جانب ذلك، تشير دراسات إلى أنّ تراجع الحافزية لدى النساء مرتبط، من جانب بعدم نيلهن المساواة، بالتوازي مع ارتفاع ظاهرة التحرش الجنسي خلال السنوات الأخيرة، إلى أرقام كبيرة.

وبعد أن كانت واحدة من كل ثمان مجندات تعرضن للتحرش في العام 2014 ارتفعت النسبة في العام 2017، إلى واحدة من كل ست نساء، وفق دراسات إسرائيلية.

ووفق التقرير فإن هناك سببًا داخليًّا آخر مرتبط بالتمييز الحاصل داخل الجيش، ما بين الشرقيين والغربيين، وهما المكونان الأساسيان للمجتمع الإسرائيلي، في ظل مظاهر الاعتداء، والمظاهر العنصرية كرفض الغربيين تناول الطعام مع الشرقيين، إلى جانب الفرز المتعمّد بين الجانبين من قبل بعض الضباط.

ومن بين أبرز الأسباب التي يُسوّق لها داخليًا، ارتفاع ظاهرة التدين في جيش الاحتلال، في ظل إقبال المتدينين الصهاينة عليه، حيث ارتفعت نسبهم بشكل كبير في العقدين الأخيرين، الأمر الذي بات يُظهر الجيش على أنّه جيش ديني رغم أنّ نسبة المتدينين في المجتمع لا تتجاوز ال 20%، 10% منهم فقط وهم القوميين الصهاينة، فيما النصف الآخر وهم "الحريديم" يرفضون دخوله.

السبب الأخير وفق التقرير، هو الخوف من التعرض للمخاطر، فقد أظهرت أعداد الرافضين أنّ قضية الخوف من الموت، ليست بالأمر الجديد، فعدم الاستعداد للتضحية بالنفس، بات سمة بارزة للكثيرين من الجيل الشاب، لذلك فضلوا الوحدات غير القتالية، على الوحدات التي فيها تعريض النفس للمخاطر.

انعكاسات

أولى الانعكاسات –وفق التقرير- والتي يخشاها الجمهور الإسرائيلي، قبل المؤسستين العسكرية والسياسية، هو أن يفقد جيشهم، صفته التي نشأ عليها، بكونه "جيش وطن"، ممثل لكافة الشرائح اليهودية دون استثناء.

ففي الوقت الذي سنّت فيه "إسرائيل" من سنوات، ما يُعرف بقانون تحمّل الأعباء بالتساوي، عادت وأقرّت قانوناً يُعفي المتدينين الحريديم، من التجنيد، الأمر الذي بات يعكس، أنّ الجيش الإسرائيلي لا يُمثل كافة الشرائح، ولا يعكس المساواة داخل المجتمع.

وهذا بدوره سينعكس على علاقة الجمهور بجيشه، ليس فحسب في الدولة العبرية، بل أيضاً على مستوى العلاقة مع يهود الخارج، واللذين باتت شريحة منهم يشعرون بغربتهم عن المشروع الصهيوني، من منطلقات فكرية باتت تترسخ، بأنّ المشروع بات يخدم فئة من اليهود دون الأخرى.

كما يشير البروفيسور مردخاي كريمنتشر في بحث مطول له تحت عنوان: "جيش الشعب، أم جيش الرب؟" أنّ ظاهرة تديين الجيش –فرض التدين على الجيش-باتت واضحة، وتتطلب وقوف جدّي من كافة فئات الشعب.

وينوه إلى أنّ تحوّل الجيش لجيش الرب، سيكون خاضعاً للقيادات الدينية، وآراءها التشريعية، وستفقد الدولة مع مرور الزمن السيطرة عليه، في ظل اشباعه بالمفاهيم الدينية، وأنّه يدافع عن الربّ، في وجه أعداء الربّ.

أما أبرز التأثيرات التي باتت تنعكس على الجيش، هي نزول نوعية الجندي المقاتل، والذي خدم في الوحدات البريّة، أو سلاح المدرعات، حيث وفق المُعطيات أعلاه فإنّ الشباب الإسرائيلي المتعلّم، يفضل الذهاب للوحدات التكنولوجية الأمر الذي سيجعل الوحدات القتالية، ساحة الفئة غير المتعلمة والمثقفة في الجيش، وبالتالي الأقل جودة، وقدرة على تشريب المجتمع أهمية الجيش والقتال فيه.

المحلل العسكري عاموس هرائيل، يشير إلى أنّ الجيش الإسرائيلي تلقى "صفعة كبيرة جدّا" يكمن ذلك في تراجع جودة الجندي المقاتل، متسائلًا: "من أين سيتخرج رئيس هيئة الأركان المستقبلي؟".

أقوال هرائيل جاءت في ظل رفض غالبية المنتمين للوحدات التكنولوجية الانتقال للوحدات القتالية، وفي ظل النوعية الأقل جودة للوحدات القتالية، ما يعني أن "القيادة القادمة ستكون أقل جودة هي الأخرى".

وفي ظل التراجع المستمر في الرغبة في التجنيد، فإنّ ذلك من الممكن أن يقود إلى تحوّل الجيش، إلى جيش أجير، بمعنى أن يتم فتح أبواب التجنيد للراغبين فقط في الانضمام للجيش، مقابل نيلهم راتباً شهرياً مناسبًا.

إلّا أنّ ذلك -وفق الكثيرين- سيكون له انعكاسات سلبية كبيرة على الدولة العبرية، التي تعاني من وجود تحديات أمنية مستمرة، تجعلها تحت طائلة الحرب في أي لحظة، وسيؤدي إلى تراجع في القوّة التي تمتلكها "إسرائيل"، من حيث القوّة الجوّية، وسلاح البحرية.