"صفقة القرن".. أين السلام؟

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي فلسطين 24
2019-03-03 09:22:28
بقلم: سعود الريس

مستشار البيت الأبيض جاريد كوشنر زار عددًا من دول الخليج العربية والحليفة في المنطقة لبلاده املا بدعم خطة سلام في الشرق الأوسط تحمل لقب "صفقة القرن"، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب سيركز على الجانب الاقتصادي من الصفقة دون التطرق للجوانب السياسية التي قال انه يفضل ان تحافظ على سريتها، بعد ان اكتشف أن التفاصيل عندما كانت تخرج قبل نضوجها دفعت السياسيين إلى الهروب من الخطة.


كوشنر لا يستطيع القول ان التكتم في الجانب السياسي الغرض منه انتظار الانتخابات الإسرائيلية المقررة في التاسع من ابريل المقبل، والتكتم بحد ذاته يعني شيئين: إما ان واشنطن تريد ان تفرض الحل على إسرائيل او على الأقل دفعها الى التفاوض عليه، واذا سلمنا بذلك فهناك بنود أميركية تتضمن تنازلات لا بد منها لإحلال السلام ترفضها إسرائيل.

خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز عشية مؤتمر وارسو اعلن بعد اجتماع عقده مع الرئيس الفلسطيني ان السعودية تؤيد دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية، والسعودية اكدت هذا الموقف في كل مناسبة، كان آخرها في الكلمة التي القاها الملك سلمان في المؤتمر العربي الأوروبي في شرم الشيخ قبل أيام. والموقف السعودي يعبر عن نفسه لينضم الى المواقف التاريخية المسجلة منذ عهد المؤسس الملك عبد العزيز طيب الله ثراه، فهو ينطلق من قاعدة ان هناك ارضاً مغتصبة وشعباً مظلوماً واملاكاً مسروقة، ورغم ذلك قدم العرب تنازلات كثيرة املا في استعادة الامن والسلام ولم تثمر، ففي أوسلو تنازل الفلسطينيون عن اكثر من ٦٠ في المئة من اراضيهم، وتمادى الكيان الصهيوني ليسرق من أراضي 1967، وواصل وتيرة القمع والتنكيل والتهجير حتى بات الهاجس اليوم وقف الاستيطان وليس تحرير الأرض المغتصبة. في المقابل ماذا قدمت اميركا؟

باختصار، لاشيء. ورغم هذا اللاشيء تقول انها ستحل الازمة بطريقتها، لذلك تواصل جهودها لإقناع حلفائها بجدوى هذه الصفقة.

صفقة على الورق تحملها واشنطن وتقاتل عليها، تقدم مشهداً مطرزاً بورود محاطة بالكثير من الاشواك، فهي تعتبر انها تساند المنطقة بتصديها للسياسة الإيرانية والعمل على تحجيمها، وفي المقابل ينبغي ان تتم مساندتها لتمرير هذه الصفقة، لكن التصدي الأميركي للسياسات الإيرانية وتهديداتها رغم انه يصب في مصلحة المنطقة، الا ان المستفيد الأكبر منه الولايات المتحدة الأميركية في واقع الامر بالدرجة الأولى، بينما إسرائيل المستفيد الثاني، وتأتي المنطقة كمستفيد ثالث منها. اذاً المقاربة الأميركية غير مقنعة، وغير مطمئنة، فالعرب اختبروا النوايا الأميركية عندما اعترف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل، كانت امام الرئيس الأميركي فرصة ليكون اكثر منطقية لو انه اعلن في الوقت ذاته ان القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية، الا ان ذلك لم يحصل بل على العكس منح الاحتلال مساحة اكبر ليمارس ابشع أنواع القمع والتعذيب والتنكيل بأبناء الشعب الفلسطيني، بل تعقيد أي مصالحة، فالاحتلال يرفض حل الدولتين ، وأيضا يرفض حل الدولة الواحدة، ويعمل للإبقاء على كافة المناطق تحت سيطرته بغض النظر عن المسميات.

نأتي الآن الى الشق الاقتصادي الذي يروج له كوشنر في زيارته، وعندما نتحدث عن هذا الشق فأول ما يتبادر الى الذهن. مع من يمكن ان نتعامل في الجانب الفلسطيني؟ "حماس" ام السلطة الفلسطينية؟ اذا كان التعامل مع السلطة الفلسطينية فلماذا تم اضعافها وتهميشها وقطع الإعانات عنها؟ اما اذا كان مع "حماس" فنحن هنا نعود الى المربع الأول، لأن "حماس" ذراع إيرانية تدعي واشنطن انها تحاربها، علاوة على انها مصنفة كمنظمة إرهابية، ارتكبت الكثير من الجرائم بحق الفلسطينيين انفسهم، الا انه رغم جميع هذه المفارقات ترفض السلطة الفلسطينية و "حماس" الصفقة، وبهذه الصيغة لا يبدو الامر مشجعا لدعم هذا المشروع والاستثمار فيه وضخ الأموال أولا في غزة ومن ثم في الضفة الغربية في مرحلة لاحقة، بحسب السيناريو المعد.

إسرائيل تدعم "حماس"، وكوشنر يدرك ذلك، ويدرك انها لو ارادت اسقاط "حماس" لتمكنت خلال أيام اذا حاصرتها، وجميعنا يدرك بما فينا الاتحاد الأوروبي ان إسرائيل في المقابل ستتصدى لاي حراك فلسطيني بتدمير أي بنى تحتية يتم الاستثمار فيها. وحدث ذلك غير مرة بل طال التدمير المرافق الحيوية الضرورية واللازمة للعيش في الحد الادني، من هنا تتضح أهمية الحفاظ على "حماس" بالنسبة الى إسرائيل وضرورتها، فوجودها مفيد لتعزيز الانقسام الفلسطيني، وإعطاء ذريعة لإبقاء تلك المناطق تحت هيمنتها، فهي تقوم بنقل الدعم الذي تقدمه قطر بعرباتها وتحرسها وتحرص عليها، ومعلوم ان الدوحة التي تبحث عن أي دور في المنطقة ولو كان تخريبيا استماتت للقيام بهذا الدور واستنجدت كثيراً وانتظرت طويلاً الى حين رفض الدول العربية صاحبة المواقف الصادقة مع القضية الفلسطينية الفكرة، لعدم جدواها وتأثيرها السلبي في الداخل الفلسطيني.

هناك ارض مغتصبة وممثل لشعب مشرد معترف به دوليا تمت محاصرته، هو المعني الأول، ويرفض تلك الصفقة، اذاً، ما يحدث باختصار هو احتيال القرن... احتيال على السلام...!