إلى د.محمد اشتية

2019-03-13 11:20:02
بقلم: زياد غنّام

   بعد أن استنفذت عبارات التهنئة والتبريك، واختلط حابلها بنابلها، وغثها بسمينها، لتصب في خانة واحدة، ظاهرها فرحة الجمهور الفلسطيني، بغالبيته، بتعيين الدكتور محمد اشتية رئيسا للحكومة الفلسطينية بنسختها الثامنة عشرة، هذا إذا ما استثنينا موقف فصائل المعارضة بيمينها ويسارها، وهذا يحمل في مضامينه جملة من الإشارات الدلالات التي يتوجب على رئيس الوزراء المكلف أن يأخذها على محمل الجد، بل وتكون ديدناً له في رسم ملامح خطة حكومته المقبلة، ولعل من بين تلك الإشارات والانطباعات ما هو يتعلق بشخصية الدكتور محمد اشتية، وأخرى تتعلق بالوضع الفتحاوي، إلى جانب تلك المتعلقة بحالة الانقسام الفلسطيني المستعصي، وتلك المرتبطة بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني، ولا ننسى هنا الخريطة السياسية العربية والدولية.

   وهذا المتراس المتلبد بالإشارات والانطباعات والمؤشرات يجعل الاختبار الذي يقف على أعتابه رئيس الوزراء المكلف صعباً للغاية أو ربما خارج عن المنطق والمألوف، وربما يمكن وصفه بـ "المقامرة السياسية" إذا ما امتلكنا المزيد من الجرأة في التوصيف لحالتنا الفلسطينية المعقدة، في ظل دولة تحت الاحتلال منقسمة على نفسها، تتعرض لحصار مالي واقتصادي غير مسبوق، ويمارس بحقها أسوأ أنواع الابتزاز والقهر.

   سيدي رئيس الوزراء المكلف، بداية ومن خلال قراءات مجمل المنشورات في مواقع التواصل الاجتماعي، وحديث الصالونات المغلقة خلال الأيام القليلة الماضية، فإنك بشكل عام صديق للجميع، وهذا كما تعلم سيف ذو حدين، من شأنه أن يسلحك بقاعدة عريضة من الجمهور تقف إلى جانبك وخلف حكومتك حال مباشرتها أعمالها، ولكنه من الجهة الأخرى سيفتح أبواب العتب واللوم، إذا لم تلبِ تلك الحكومة توقعات واحتياجات تلك القاعدة، وسيكون الحكم على قصورها أكثر قساوة من الحكم على ذات القصور في الحكومات السابقة، إلى جانب أنك ومنذ تكليفك بتشكيل الحكومة أصبحت محط أنظار الجميع وتحت الأضواء الساطعة، والكل يبحث عن "حصته" فيك بسبب قربك ورصيدك من العلاقات والانفتاح و "الكاريزما" التي استطعت خلال سنوات عملك في العمل التنظيمي والسياسي والاقتصادي أن تشكل بصمتك الخاصة والتي استهوت الكثير، وكما يقول فسيكون "العتاب على قدر المحبة".

   إن هذا الترحيب والتفاؤل الكبير بك شخصياً، وهنا لا أقلل من جهود وإنجاز الحكومة السابقة برئيسها د. رامي الحمد الله، هذا الترحيب قد طغى على الازمة المالية التي تمر بها فلسطين، بسبب المواقف السياسية والوطنية للقيادة، وفي مقارعتها لأقذر أنواع الابتزاز، وهي تراهن على صمود والتفاف شعبي لها في هذا الصمود، وهنا يبرز دوركم بشكل جلي لأن تعززوا عوامل هذا الصمود ليس على الصعيد المالي فقط، وإنما على الصعيد المعنوي، وسعة الصدر، وفتح آذانكم بشكل أكبر لصيحات الغلابا والمحتاجين والمرضى وطلبة العلم ومختلف الشرائح المهمشة على كثرتها في أوساط الشعب الفلسطيني لأنه من شأنها أن تكون رأس حربة حكومتكم والحبل السري الذي يمدها بالحياة المديدة والبقاء، كما يمكنها أن تكون الحبل الذي يلتف على عنق تلك الحكومة إذا ما اجيد استخدامه.

  سيدي.. إن حرية الرأي والتعبير ليست ترفاً يمارسه الشعب الفلسطيني، أو كماليات يحلو لهم الحديث فيها، وانما هي انعكاس لحالة العزة والأنفة التي تربى عليها هذا الشعب في بناء مشروعه الوطني، وصولاً للدولة العتيدة، فلا تكسر هذه الشوكة، ولا يضيق صدرك بها في حال تجاوزت في مفاعيلها ومفرداتها بعض المألوف، بل إعمل على تصحيح العمل في كل وقت، ومراجعة كل مرحلة من مراحل العمل والانجاز، وتقبل النقد، لأن الشخصية العامة معرضة في كل وقت للنقد وأحياناً يتجاوز هذا النقد ما تتوقعه الشخصية العامة، سواء بقصد أو من غير قصد.

   سيدي رئيس الوزراء المكلف، إن صخرة الانقسام المستعصي الذي تحطمت عليها آمال شعبنا بتحقيق دولته المستقلة، وبتنا في أضعف مواقفنا، وتشوهت من خلاله صورتنا الجميلة في عيون أشقائنا وأصدقائنا، بل وتغنى رئيس وزراء الاحتلال بإنجاز هذا الانقسام وتمويله، كل هذا يتطلب منك استراتيجية وطنية، لإحداث اختراقة حقيقية، لا سيما وأن الامل بعودة الوحدة أصبح غيباً من خيال، بسبب الانتكاسات التي ألمت بنا الواحدة تلو الأخرى بعد كل جلسة مصالحة.

   أما فيما يتعلق بالصراع مع الاحتلال الإسرائيلي والعلاقات الخارجية، فإنه معروف لدى الجميع بأن إدارة الصراع هي من صميم اختصاص منظمة التحرير، وليس من اختصاصات الحكومة، ولكن هذه المرة وفي أدبيات إقالة الحكومة السابقة هو أننا بحاجة إلى حكومة سياسية، وهذا ما يضاعف الحمل ويزيد من ملفات أجندة الحكومة التي تكتظ أصلا طاولتها بملفات شائكة، وبالتالي يحتاج إلى الحنكة والدراية العاليتين إدارة صراعنا مع الاحتلال، وقيادة الحركة الدبلوماسية في ظل اختلافات وانعطافات الخارطة السياسية والمواقف من القضية الفلسطينية، لا سيما مع الانفتاح العربي على دولة الاحتلال، والمجاهرة بالدعوات للتطبيع معها بمعزل عن حل القضية الفلسطينية وإقامة دولة شعبنا على أرضه المحتلة عام 1967.

   وختاماً كن من الذين ينطبق عليهم قول الله عز وجل "إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ"، واحفظ عهدك لله ومن ثم للرئيس وللشهداء والجرحى والشعب أن تعمل بكل جهد وإخلاص لرفعة فلسطين.