القتل في الزمن الرقمي

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي فلسطين 24
2019-03-17 12:47:55
بقلم: عوني بلال

أتجنب دوماً مشاهدة تسجيلات مصوّرة لجرائم دموية لأسباب عديدة، أولها أن المُشاهَدة تعذيبٌ ذاتي عديمُ الجدوى، فلا هي تعيد الضحايا إلى الحياة، ولا هي تخفف وجعَ أحبائهم، وكل ما تفعله هو توسيعُ دائرةِ الألم، وتعميقُ حُرقة المرارة. وثانيها أن دمَ الإنسان واحد، وأن في الجريمة الأولى التي تشاهدها خلاصة لكل الجرائم، وأنه منذ أن قتل قابيلُ أخاه، لا جديد في مشهد الدم السائح على الأرض. كل جريمة قتلٍ هي، بمعنى ما، إعادة تمثيلٍ لجريمةٍ سابقة، وبعد أن تشاهدَ واحدةً فقد رأيت عملياً كل شيء. ولذلك ربما ورد النص الديني الشهير؛ أنه من قتل نفساً بغير حق، فكأنما قتل الناس جميعاً. الوقوف على الجرائم وتفاصيلها أمرٌ مهم في رسم موقف الإنسان مما يجري. لكن، ولسببٍ خاص بنا، نحن السلالة البشرية، يملك التصوير البصري وقعاً نفسياً لا يقف عند التضامن مع الضحية ومعاداة الجاني، فيتجاوزها صوب تشنجٍ عام، وشهوةٍ ثأريةٍ لا تخدم غالباً، وفي النهاية، إلا الجانيَ نفسَه. 

• على الرغم مما تقدّم، فقد فعلتُ ما فعله كثيرون صبيحة أول من أمس الجمعة، وشاهدتُ، بملء إرادتي، تصوير المذبحة التي حصلت بحقّ المصلين في نيوزيلندا. ما من سبب غلب تحفّظي المعهود هنا سوى أن في الأمر غرابةً، تتضمن تصوير المأساة على الهواء مباشرةً، وبترتيبٍ وتدبير من القاتل نفسِه. وقد استوقفتني عدة أمورٍ في هذه المشهدية المأساوية، وأعتذر سلفاً عما سيبدو في وصفها من تبلدٍ انفعالي، لكنه تبلدٌ شكلِيّ في حضرة تبلد دموي لمن قام بالفعل نفسه. أول ما لفتني في المذبحة الدموية أنها لم تكن دمويةً على الإطلاق؛ أن مشهد الدم يكاد يكون غائباً فيها. وثانيها أن التصوير رديء الجودة. وثالثها أن ملامح الضحايا كان من الصعب تمييزها. وما فعلته هذه العناصر مجتمعةً أنها زادت من برود الجريمة، وكانت بذلك توثيقاً لبشاعة الفاعل، وتصحّره الإنساني، أكثر من كونها شهادةً على فاجعة الضحية وألم لحظاتها الأخيرة.

• لا جديد في دموية الإنسان ولا وحشيته، ولا مفاجأة في الطريقة التي يخلع فيها كائن بشري إزار بشريته، ويُطلق حيواناً مِن داخله، يفوق في حيوانيته مملكة الحيوان بأسرها. لا جديد في أيٍّ من هذا. الجديد هذه العروة الناشئة بين التقنية الرقمية وهمجية مخترِع التقنية. الجديد المدهش هو النحو الذي تستنهض فيه تقنية شديدة التقدم غرائز شديدة البدائية. إن تقديس الآلة، وترويجها بوصفها علامة تحضّرٍ كثيراً ما يُعمي الناس عن لعنة مختبئة فيها؛ أنها تمنح جبروتاً للإنسان، يضعه على حافّة إنسانيته، ويغريه طوال الوقت بالقفز. ثنائية السيد والعبد في علاقة الإنسان بالآلة أسهل الثنائيات انقلاباً، خصوصاً أنها تمنح الإنسان وهماً فادحاً بالقوة، وكل وهمٍ من هذا النوع إيذانٌ مستترٌ بكارثةٍ موشِكة. لقد أنفق الجاني، في هذا المثال، وقتاً سخياً في تجهيز نفسه تقنياً للجريمة. وصفٌ رقميٌ للدوافع والعقيدة. تحميلٌ لبيان المجزرة على شبكات التواصل. برمجيةٌ للتصوير. حسابٌ يسمح بالبث المباشر. والأهم من هذا كله ترتيب الجريمة نفسِها على النحو الذي يناسب التقنية، ويسمح باستخدامها بأقصى طاقاتها.

• كثيرون رأوا في ما جرى محاكاةً لألعاب الحاسوب الشهيرة، والتي يُعطَى فيها اللاعب ذخيرةً برمجيةً متوهّمة، وسلاحاً حاسوبياً مخترَعاً ليَقتل وحوشاً مرسومة، ويُبيدَ آلافاً من الناس الذين ليسوا ناساً، لأنهم فريةٌ من خيال المبرمِج. لكن الأمر في الواقع مخيفٌ أكثر من ذلك، لأن ما جرى لم يكن محاولةً لتقليد خيالٍ حاسوبي وحسب، بل كان عكسَ ذلك أيضاً؛ حيث الخيال البرمجي كان نبوءةً عن الواقع، وكأن كل تلك الألعاب المحوسبة القديمة التي تكون فيه جودة الصورة رديئةً، ولا ترى فيها من القاتل إلا سلاحه، ولا تسمع فيها إلا صياح الموتى، كانت كلها تَرجُمُ بزمنٍ قادمٍ سيجعلُ منها حقيقةً. وما هو لافتٌ في النحو الذي تحققت فيه هذه النبوءة الدموية أنها لم تتحقق على الأرض مباشرةً، وإنما مهّدت لنفسها عبر تحويل الشاشات والحواسيب نوافذ موحّدة للبشر على عالمهم، لتستطيع، في النهاية، أن تُخرِج لهم الصورة بالنحو البارد والمريعِ الذي تريد. لم يكن القاتل مضطراً لأن يكون مهووساً بهذه الألعاب الرقمية، أو مدمناً عليها. التقنية القائمة اليوم، بذاتها ومن تلقاء نفسها، ترسم ملامح الجريمة الممكنة، وتطبعها بدمغتها.

• تنبأ كُتّابٌ كثرٌ في الماضي بخطورة زمنٍ تقني كزماننا، وكُتبت في الأمر رواياتٌ ودراسات، اقترب بعضها مما انتهينا إليه، وبعضها ابتعد، لكن المؤكد أن ما نراه اليوم من ولعٍ بتصوير الجريمة، وتوثيقٍ رقميٍّ للهمجية، ليس مجرد ابتزازٍ وسوء استخدام لتقنية مسالِمةٍ بطبعها. هناك كابوسٌ كامنٌ في هذه الماكينة التقنية الهائلة، ويبدو أن الصعود المتسارع لليمين الكارهِ كلِّ ما سِواه في العالم، وتقاطعه مع التقنية المتاحة في هذا المفصل الزمني، بدأ يشدّ الكابوسَ من مهجعه، ويُخرجُ أسوأ ما في الإنسان والآلة سوياً.