الرئيس يبدل أحصنته وسط المعركة

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي فلسطين 24
2019-03-20 10:16:08
بقلم: ماجد العاروري

الرئيس محمود عباس سياسيٌ مخضرمٌ من الدرجة الأولى، يعلم علم اليقين أنه لا يجوز تبديل الأحصنة وسط المعركة، إلا أنه فعل ذلك، واتخذ قرارًا بتكليف الدكتور محمد اشتية بتشكيل حكومة جديدة، رغم المعركة السياسية الحاسمة التي يخوضها مع إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية لمواجهة "صفقة القرن". 

المبررات التي يسوقها البعض داخل حركة فتح لتبرير دعواتهم بوجوب سيطرة حركة فتح على الحكومة الجديدة مبنية على فكرة أن السلطة وحكوماتها مختطفة منذ الانقسام في عام 2007 ولغاية اليوم لصالح جهات مستقلة ليست فتحاوية، وحركة فتح هي من تدفع من شعبيتها ثمن سوء أداء هذه الحكومات ولا تكسب شيئًا من من حسن أدائها، وهذا غير صحيح، فكل الحكومات التي تشكلت منذ ذلك الحين لغاية اليوم هي حكومات الرئيس، والرئيس ليس رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، فحسب بل هو أيضًا رئيس حركة فتح، وأي حكومة تشكلت كان غالبية أعضائها من الموالين لحركة فتح، حتى لو لم يكن بينهم أي عضو من اللجنة المركزية للحركة، فذاك يعود إلى حسبةٍ داخليةٍ لدى الحركة، وليس إلى نتيجة فرضتها قوةٌ سياسيةٌ غير فتح، فالحكومة تعمل فقط بدعم حركة فتح وتغادر عندما تحاصرها الحركة، وهذا ما حدث مع حكومتي فياض والحمد الله، ولا تأثير في ذلك لأية قوة غيرها.

الادعاء أيضًا بأن حركة فتح لم تجنِ شيًا من مغانم السلطة هي ادعاءاتٌ مخالفة للواقع، فالغالبية القصوى من الوزراء والسفراء والوكلاء والمدراء العامين والمحافظين ورؤساء الهيئات العامة وغير ذلك من الوظائف الكبرى والمتوسطة بل حتى الصغيرة في السلطة الوطنية الفلسطينية هم من الحركة، وبالتالي لا صحة لمثل هذا الادعاء، فالغنائم بغالبيتها العظمى ذهبت لصالح حركة فتح التى حصدت في آخر انتخابات جرت عام 2006 ما نسبته 35% من مجمل عدد مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني،  وأي ادعاء غير ذلك  لا أساس له من الصحة.

الحكومة الجديدة المنوي تشكيلها، وبغض النظر عن من سيشاركون بها كأفراد أو فصائل، لا تحمل برنامجًا سياسيًا جديدًا يختلف عن البرنامج السياسي الذي حملته الحكومات السابقة، فالبرنامج السياسي لا تصنعه الحكومات بل يصنعه الرئيس، وهو ذات البرنامج السياسي الذي حمله الرئيس منذ انتخابه ولغاية اليوم، وبالتالي لا تغيير سيحدث على السياسات الخارجية الفلسطينية سواءً شُكّلت حكومةٌ جديدةٌ أو لم تُشَكَّل.

حتى السياسات الداخلية لن يجري عليها تغييرٌ بتشكيل حكومة جديدة، فالضمان الاجتماعي ألغاه الرئيس قبل تشكيلها، ولا يلوح في الأفق أي تغييراتٍ قد تحصل داخليًا، فالرواتب أهم وظيفة لأي حكومة لن يتأثر انقاطعها أو بقاؤها بأي حكومة كانت، وهي مرتبطة بالموقف السياسي الإسرائيلي والموقف الفلسطيني من صفقة القرن،  وكان واضحًا حين علق رئيس الوزراء المكلف على قضية الرواتب بقوله "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان"، وكان تصريحه مشابهًا لتصريح إسماعيل هنية الذي قال "إن الشعب مستعدٌ أن يعيش على الزيت والزعتر"، وتصدت له حركة فتح قبل غيرها بأطول إضراب يخوضه الموظفون العموميون في التاريخ، ورئيس الوزراء كان يمهد لمرحلة صعبة قد تواجه حكومته القادمة فيما يتعلق بالرواتب.

بناءً على ما تقدم، يبقى السؤال الكثر أهمية، ما الذي دفع الرئيس لتغيير أحصنته في وسط المعركة وتشكيل حكومة جديدة؟

لا أعتقد أن هذا التغيير يعود إلى معادلاتٍ سياسيةٍ خارجيةٍ لها علاقةٌ بمحاولات تمرير "صفقة القرن"، أو مواجهة حكومةٍ يمينيةٍ إسرائيليةٍ متطرفةٍ قد تفرزها الانتخابات الإسرائيلية، ولا علاقة لها بحالة البؤس التي تحيط بالشعب الفلسطيني في الداخل، فلا سياساتٍ داخليةٍ ممكنة التحقيق ذات أبعادٍ اجتماعية.

ولا علاقة لتشكيل الحكومة بإنهاء الانقسام؛ فهذا كان سبب تشكيل الحكومة السابقة. ولا يأتي تشكيلها بهدف إجراء انتخاباتٍ عامةٍ، فلو كان كذلك لسبق تشكيل الحكومة مرسومٌ رئاسيٌ بإجراء الانتخابات. ولا علاقة لتشكيلها بالرواتب المقطوعة، فأداء كلا الحكومتين لا يؤثر على الرواتب بشيء. وبالتالي فإن تغيير الأحصنة في وسط المعركة لا علاقة له بالشأن الفلسطيني العام ككل، بل علاقته الحقيقية بالشأن الداخلي لحركة فتح، إنه ببساطة تشكيل حكومة جديدة ذات طابعٍ فتحاويٍ بحتٍ لمعالجة أزمةٍ داخليةٍ تعصف بحركة فتح، وهي محاولةٌ قد تبدو برغماتية لتثبيت أركان حكم فتح في الضفة الغربية لسنواتٍ قادمةٍ في ظل تعذر إجراء انتخابات، وهي أيضًا تمهيدٌ لحكومةٍ تكون مرجعيتها اللجنة المركزية لحركة فتح، وليس الرئيس وحده كما كان الأمر سابقًا، إنها الخيار الأفضل لحركة فتح لتمكينها من السيطرة على الموارد الفلسطينية، ثم إدارة الشان الفلسطيني من خلال إدارة الشان الفتحاوي، في ظل غياب استمرار الانقسام الذي لم تعد في إنهائه مصلحة حقيقية للفصيلين الكبيرين حماس وفتح .

هذه ليست المرة الأولى التي تشكل بها حكومةٌ لحل أزمةٍ داخليةٍ فلسطينية، فأول حكومةٍ فلسطينيةٍ أُنشئت بعد اتفاق اوسلو في عام 1993؛ جاءت لإخراج منظمة التحرير الفلسطينية من الأزمة المالية والسياسية التي عانت منها بعد حرب الخليج، وبالتالي أدارت الشان الفلسطيني ككل خاصة في الضفة الغربية وقطاع غزة، لكنها كانت أول مرة في التاريخ تشكل فيها حكومةٌ فلسطينيةٌ لإدارة أزمةٍ داخل فصيلٍ سياسيٍ بعينه.