من أجل إنهاء الإنقسام

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي فلسطين 24
2019-03-24 09:21:36
بقلم: صائب عريقات

روّعني ما شاهدته من ممارسات قمعية ووحشية متواصلة ارتكبها فريق فلسطيني خارج عن كل القيم الأخلاقية الوطنية بحق أبناء جلدته في الأيام القليلة الماضية، أعادتني هذه الأحداث قسراً إلى حزيران (يونيو) 2007، التاريخ المشؤوم والعام الفارق في نضال شعب فلسطين، وفيه نفذت فيه حركة «حماس» انقلابها الدموي ضد الشرعية الفلسطينية، والذي أودى بأرواح مئات الشهداء والجرحى والمعاقين، وخلّف جروحاً مادية واجتماعية تندى لها الإنسانية بسبب سياسة التكفير والتخوين للآخر، في أكبر جريمة يرتكبها فلسطيني بحق أخيه الفلسطيني.

بالعودة قليلاً إلى التاريخ، فقد مارست حركة «حماس» نشاطها تحت غطاء العمل الاجتماعي كجمعية خيرية (جمعية المجمع الإسلامي) بترخيص من الاحتلال في أواخر السبعينات، ورفضت المشاركة في معارك التحرر الوطني الفلسطيني، ورفضت الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، ولم تشارك في نضالات شعبنا الممتدة منذ نكبة 1948 حتى أوائل التسعينات من القرن الماضي، وطرحت نفسها بديلاً عن النظام السياسي الفلسطيني الذي شكلته قوى «م.ت.ف» ومؤسساتها ونضالاتها التاريخية، وقد تجلى ذلك في استخدامهم الجنازير في فضّ مظاهرات فصائل المنظمة، بينما كانت قوات الاحتلال و(أبوصبري) الإسرائيلي المعروف لأهالي القطاع تقف متفرجة بل مُحرّضة، وإحراقهم مقرّ جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني ثلاث مرات تحت قيادة الدكتور حيدر عبدالشافي ومحاولات قتله، كانت «حماس» حينها تعتبر شهداء الفصائل (فطيس)! وحديثاً، بعد عام 2007 فقط، فرضت «حماس» مقاليد حكمها وسيادتها على الأرض باعتبارها سلطة الأمر الواقع، وسنت القوانين ذات الطبيعة المهيمنة، مثل قانون «الانتخابات» وقانون «أُسر الشهداء» الذي تحدث عن الحيز الجغرافي وسريانه فقط في أماكن السلطة الوطنية دون ذكر المنافي وأماكن اللجوء، واتخذت جملة من القرارات لبيع وتأجير واستملاك الأراضي بطريقة غير قانونية، وقانون «التكافل الاجتماعي- الضريبة». وأذكر هنا الفيديو الذي نُشر لعضو من حركة «حماس» يدعى «جمال نصار» أثناء نقاشه مع التجار حول قانون ضريبة التكافل، والذي قال فيه «إنكم-أي التجار- لستم متضررين، المواطن هو المتضرر»، وحاولت فرض الآيديولوجيا والدولة الدينية من خلال أدلجة القوانين، مثل سن قانون تعليم جديد، وقانون عقوبات متزمت جديد، وقانون الزكاة، وقانون التجارة وغيرها، وسعت إلى فرض مفاهيمها الاجتماعية والاقتصادية على المجتمع حتى أصبح النظام القائم ينصب نفسه وصياً على فكر وحقوق وحريات شعبنا وطبيعة نظامه الاجتماعي، مما عكس نفسه سلبياً على تطور المجتمع وحقوق الأفراد ومفاهيم المواطنة. كما قامت بممارسات قسرية تتدخل في شؤون وخصوصيات الأفراد وتفرض عليهم أنظمة شمولية تقوض حرياتهم الفردية مثل: منع الاختلاط، واجبار النساء على ارتداء الجلباب بما في ذلك المحاميات، ورفع «المانيكان النسوة» من المحال التجارية، ومنع أي رجل وامرأة من المشي لوحدهما من دون حمل الأوراق الثبوتية التي تثبت وجه القرابة، وإجبار الشباب على حلق شعر الرأس، وإهانة وضرب كل من لا يلتزم بذلك، وتحديد طريقة اللباس الخاص بالشباب، والفرض على السكان ما يسمى بإجراءات فحص «مستوى الرجولة»، ومراقبة كل من يخالف تعليمات «حملة الفضيلة»، والتي تقوم على أساس تطبيق تعاليم الدين من خلال الدعوة، واتخاذها الإجراءات التي تضمن سلامة تطبيق هذه القرارات.

إن هذه الإجراءات التعسفية التي جسّدت دلالات سياسية وعودة للينابيع الفكرية الأخوانية للإعلان عن مشروع إنشاء إمارة إسلامية في غزة وتثبيت مفهوم الدولة الدينية، قد مأسست وعززت تكريس حالة الانقسام القانوني والفكري والسياسي والجغرافي في شقي الوطن، ومضت بشكل مدروس إلى تقويض أسس المجتمع المدني الفلسطيني القائم على تعايش الأديان، والتعددية السياسية، والتسامح والاعتدال والحفاظ على القيم الإسلامية، وعملت بخطى حثيثة على استبداله بمجتمع ثيوقراطي ونظام شمولي. أما على المستوى السياسي حديثاً، فقد سعت بكل قوتها إلى توقيع اتفاق ثنائي مع حكومة الاحتلال على هدنة طويلة الأمد بمعزل عن منظمة التحرير الفلسطينية، ما يعني إيجاد كينونة سياسية منفردة توقع الاتفاقات مع إسرائيل، وتقيم الدويلة الفلسطينية في قطاع غزة، وقدمت شرط التهدئة لإسرائيل مقابل بضعة ملايين الدولارات كرواتب لموظفيها. ففي الوقت الذي قطعت به إسرائيل الأموال عن السلطة الوطنية بسبب دعمها لعائلات الأسرى والشهداء، قامت بتقديم الأموال والتسهيلات لحركة «حماس» للحفاظ على حكمها في قطاع غزة وترسيخ انفصاله عن محيطه الفلسطيني، باعتراف رسمي لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو عندما قال: «إن السماح للأموال بالدخول لقطاع غزة يشكل جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى الإبقاء على الانقسام وللحيلولة دون إقامة دولة فلسطينية على حدود العام 1967». وقد تجسدت رؤية «حماس» في الحفاظ على حكمها أيضاً في تجيير مسيرات العودة لتحقيق أجندات حزبية فئوية، في مخالفة صارخة لما جرى التوافق عليه بين الفصائل الوطنية والقوى السياسية بشأن المسيرات، وتشويه الفكر النضالي الشعبي والقضاء على المشروع الوطني لصالح مشرعها الحزبي الأخواني، واختزاله بحالة إنسانية تستجدي الأموال لمطامح ضيقة توافقت مع المشاريع التصفوية للقضية الفلسطينية، وأسهمت في تحويل الأنظار عن الاحتلال الإسرائيلي «الجذر» الرئيس لتدهور الوضع الاقتصادي في فلسطين المحتلة. وفي تجاهل تام لمؤتمر «وارسو» المنعقد بالتزامن مع لقاء الفصائل الفلسطينية في موسكو من أجل الانطلاق مجدداً بجهود المصالحة، رفضت حركة «حماس» التوقيع على بيان الفصائل في موسكو في شباط (فبراير) 2019، في انعكاس واضح لموقف التنظيم الدولي للإخوان، ورسالة للأشقاء في مصر بعدم نيتها استكمال لقاءات المصالحة.

بدأ حراك شعبي مناهض يظهر احتجاجاً على ممارسات سلطة الأمر الواقع والانقسام، لم يحمل طابع الكيان الواحد بل تجمعات متنوعة لا تنتمي لمكون سياسي بعينه، بدليل الشعارات التي حملها، سواء في قطاع غزة أم في الضفة الغربية، ولم يكن هذا الحراك الشعبي «بدنا نعيش» الأول من نوعه للانتفاض ضد حركة «حماس» وإنهاء الانقسام، من ضمنها على سبيل المثال لا الحصر حراك 15 آذار (مارس) الشبابي لإنهاء الانقسام عام 2011، والذي فضّته حكومة الأمر الواقع بالهجوم ضد المتظاهرين وضربهم بالهراوات والعصي الكهربائية وتفريقهم بالقوة وإزالة الخيام من ساحة الكتيبة. وهكذا الأمر مع حراك 29 نيسان (أبريل) الشبابي لإنهاء الانقسام والمطالب بحل الأزمات التي يعيشها الغزيون في 2015 في حي الشجاعية، والذي لاحقته عناصر شرطة «حماس» واعتقلت العشرات منه بما فيهم الصحافيين، وصادرت معدات التصوير الخاصة بهم، إضافة إلى مجموعات شباب «غزة نحو التغيير»، ومجموعات «بهِمش»، و»مش هيك»، و»مش خايفين»، والحراك الشعبي الجماعي عام 2018. كان يسبق كل هذه الإجراءات القمعية والوحشية حملة اعتقالات وتهديد وملاحقة لدفن أي نشاط شعبي في مهده. وبتاريخ 14 آذار 2019، انطلقت الجماهير الغاضبة إلى الميادين للتعبير عن رفضها للقهر والظلم وفرض الضرائب وغلاء الأسعار، وللمطالبة بحقوقها الأساسية في العيش الكريم بشعار «الترانس يجمعنا»، وقد لاقت ما لاقته في الانقلاب الأول والحراكات السابقة من تكسير للعظام، وسحل للمواطنين، والاعتداء عليهم وعلى نسائهم وأطفالهم بالضرب المبرح والاعتقال وفرض الإقامة الجبرية، واختطاف النشطاء الجرحى من المشافي، ووضع الحراسة المشددة عليها لمنع التصوير ونقل الحقائق، ومنع الزيارات، ونشر تعميمات أمنية على غرف المرضى، واعتقال الممرضين بتهمة تسريب الصور، واعتداء أجهزتها الأمنية على مسعفين من الهلال الأحمر، وسط تكتيم متعمد من قبل وزارة الصحة في القطاع عن العدد الحقيقي للجرحى والمصابين. وفي ذلك، قالت الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان إنها «لأول مرة منذ قيام السلطة أصبحت هي نفسها بحاجة إلى حماية»، وأفادت بوجود نحو ألف معتقل في سجون حركة «حماس» على خلفية الحراك، وفضّ أكثر من 25 تجمع سلمي، واعتقال عشرات الصحافيين ومئات التبليغات وعشرات الجرحى.

حملة دموية متواصلة وممنهجة طاولت الشباب والنساء الفلسطينيات والأطفال والحقوقيين والصحافيين والمسعفين والممرضين وكوادر قوى وفصائل منظمة التحرير بلا استثناء، لا تُقارن بأي حال بالحوادث المنفردة التي حصلت في الضفة الغربية التي تم تصويبها من خلال لجان التحقيق والمساءلة والمتابعة.

«بدنا نعيش» ليس عبارة عن شعار يعبّر عن جوع شعبنا في قطاع غزة، بل هو «الجوع للكرامة» وثورة شعب ضاقت به سبل الحياة بعزة وكبرياء، فانتفض في وجه الطغيان والتجبر، فشعبنا الفلسطيني في قطاع غزة هو هذا الشعب الذي أسقط كل المؤامرات الصهيونية والاستعمارية على مر التاريخ، وهو من أسقط مشروع التوطين في سيناء، وهو من أطلق شرارة الانتفاضة الكبرى الباسلة، ومنه خرج آلاف الشهداء والجرحى والمعتقلين، والثائرين والروّاد والمبدعين الذين حصدوا الجوائز الدولية في الطب والهندسة والتعليم والاختراعات المتتالية، وهو الشعب الذي يأخذ من إنهاء الاحتلال وتقرير مصيره وحريته وتجسيد سيادته على أرضه وحقه في العودة دافعاً ومحركاً له ولأجيالنا القادمة قوة الحاضر والمستقبل. على حركة «حماس» إعادة قراءة تاريخ شعب فلسطين جيداً واستخلاص العبر في أن استنساخ أنموذج يتماهى مع النماذج التي قدمتها كل الأحزاب الشمولية والأنظمة الحاكمة لا يجدي نفعاً مع شعبٍ أبرأ ثوراته وبركان غضبه في وجه الاحتلال وأعاصير الحصار العاتية وكل من يقف في وجه حقوقه وكرامته الإنسانية.

إننا ندين بأشد العبارات البيان الذي أصدرته حركة «حماس» لتبرير جرائمها، والذي عبّر عن حالة التوتر وانحراف البوصلة الوطنية التي تعيشها الحركة محاولةً إلقاء اللائمة وتصدير هذه الأزمة التي راكمتها على مر السنين إلى جهات أخرى، وعزمها مواصلة الاستفراد في قطاع غزة، والتملص من مسؤولية توفير احتياجات المواطن الأساسية في القطاع وضمان كرامته، والتهرب من تمتين الصفوف الداخلية مع أبناء شعبها وقوى منظمة التحرير التي وصفتهم بفصائل العار في بيانات تزامنت مع حملتها القمعية.

وعلى رغم كل ذلك، فإن الحل المنطقي الوحيد يتمثل بالمباشرة بإنهاء «حماس» لحملتها الأمنية الإجرامية، وسحب ميليشياتها من الشوارع، والافراج الفوري عن المعتقلين من أبناء شعبها، وفتح حوار عاجل وجاد مع القوى الوطنية والمجتمع المدني والشباب الثائر، والاعتذار له، وتشكيل لجنة تحقيق وطنية وحقوقية للتحقيق بالأحداث، وتقديم المسؤولين عنها للمحاكمة العلنية، وتنفيذ مطالب الشعب العادلة والمشروعة والتعاطي مع حلول واقعية للتخفيف من معاناتهم وعلاج الوضع الاجتماعي من دون رسوم وضرائب وأعباء جديدة وبما يضمن للمواطن العيش الكريم.

ربما يكون هذا الطرح مجرد أوهام لدي، لأن سلوك «حماس» وبيانها يدل على أنها تنتظر اعتذاراً من الشعب والحراك وممّن تم تعذيبهم وليس العكس!

بدلاً من الاستمرار في حملة التضليل والأكاذيب والاتهامات عندما ادّعى أحدهم بأن صحيفة «الغارديان» البريطانية قد نشرت تحليلاً أن السلطة الفلسطينية صرفت ثلاثة ملايين دولار على حراك «بدنا نعيش» في قطاع غزة، أو عندما نشر أحد شيوخهم خبراً عن أن الأمن الإسرائيلي قدم شكره للواء ماجد فرج للتعاون الأمني معهم وهي بالفعل مسألة تثير السخرية، وتعكس خيالاً خصباً لا يعرف الخطوط الحمراء للأخلاق أو الاختلاف أو الإنسانية، فإننا في هذا اليوم العصيب، ونحن نودّع شهداء فلسطين الأماجد بمزيد من الفخر والكبار، ندعو حركة «حماس» إلى تصويب انزلاقاتها الخطرة التي ساقتها إلى انتهاك حرمة الدم الفلسطيني وتجاوز الخطوط الحمراء الوطنية، وعدم تدمير منجزات الشعب الفلسطيني، ومراجعة مواقفها، والانحياز لمصالحه العليا، والاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني وببرنامجها السياسي، وانخراطها في صفوف هذه المنظمة، على أساس الشراكة الكاملة، والتي تتطلب قطع كل الصلات والارتباطات المشبوهة الإقليمية والدولية التي تعمل على فصل القطاع عن الضفة الغربية وتقسيم الشعب الفلسطيني، والعمل على استعادة الوحدة الوطنية، والسماح للحكومة بممارسة مهماتها في قطاع غزة والاحتكام لصناديق الاقتراع (الانتخابات العامة) وليس الرصاص، وتنفيذ اتفاق القاهرة الذي وقع في تشرين الأول (أكتوبر) 2017.

أدعو حركة «حماس» إلى اعتناق فكرة الوحدة الوطنية باعتبارها عقيدة وليس خياراً مرحلياً، من أجل تعزيز جبهتنا الداخلية ومواجهتنا الشاملة الموحدة لمشروع الاحتلال الاستعماري، و»صفقة القرن» التي تستهدف قضيتنا الوطنية العادلة ومكوناتها الرئيسية. إن الانقسام يطيل أمد الاحتلال، وقد آن الأوان لنراكم على إنجازات منظمة التحرير بإنجاز تاريخي نكون فيه شركاء في الوطن والمؤسسات، وعلى مستوى المسؤولية في الحقوق والواجبات نفسه، وعلى قاعدة الحفاظ على المصالح الوطنية العليا لشعب فلسطين، الطريق الأقصر لتحقيق المصالحة وإجلاء الاحتلال.

نحن نعيش زمناً فلسطينياً لا يمكن لأحد فيه إلغاء الآخر، فإمّا الاستمرار بالاعتقاد أن هناك إرادة إلهية تعطي «حماس» ما لا تعطيه لغيرها، أو أن ندرك تماماً أن الله سبحانه وتعالى أمرنا بالاعتصام بحبله وعدم الفرقة:

بسم الله الرحمن الرحيم «واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءَ فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا». (صدق الله العظيم). إن الاعتصام بحبل الله يعني بالتأكيد نبذ البدع والأفكار الفاسدة وتضليل الناس واستخدام الدين بدلاً من خدمته، وأقول لهم إن الله سبحانه تعالى كرّمنا بأن جعل علاقتنا معه مباشرة من دون وسطاء ومن دون الحاجة إلى صكوك غفران، إن الذين يمارسون دور الأقرب إلى الله هم من يحاولون إدخال صكوك الغفران إلى ديننا الحنيف. وأختتم مؤكداً مقولة ابن رشد الشهيرة: «إن أكبرَ عدوٌ للإسلام جاهلٌ يكفّر الناس».

* أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية.