خرائب أوسلو ومصائب الانقسام

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي فلسطين 24
2019-03-24 09:25:39
بقلم: علي جرادات

تعيش الحالة الفلسطينية، وضعية من الالتباس والتيه الوطني، فبعد عقود من خرائب مسار «أوسلو» العبثي، ومصائب الانقسام المدمِّر، بات الشعب الفلسطيني، عموماً، وفي الأرض المحتلة، تحديداً، في معادلة لا تستوي على ساقها. ففي رحم اختزالات «أوسلو» لخارطة الوطن والشعب والحقوق والرواية الوطنية، نشأت انقسامات وانقسامات، أخطرها انقسام «السلطة الفلسطينية» بين حركتيْ «فتح» و«حماس» عام 2007، الأمر الذي زاد الأمور سوءاً على سوء، حيث بات الحزبي الفئوي فوق الوطني، وحلَّ العمل العفوي والفردي والمبعثر محل العمل الواعي الجماعي المنظم والموحَّد. أما النتيجة العامة فحالة غير مسبوقة، في أقله منذ سنوات ما بعد النكبة، من التهتك والتفسخ والانحلال في القيم الوطنية والنضالية للنخب القيادية لشعب مكافح، يعيش مرحلة تحرر وطني لم تُنجز مهامها بعد، ناهيك عن حالة التفكك والتشرذم والترهل التي أصابت الحركة الوطنية، فصائلَ ومؤسسات ومرجعيات وطنية عامة.

ولو شئنا الانتقال من التوصيف العام إلى التجليات الملموسة لهذه الحالة الوطنية البائسة لقلنا:

أولاً، كيف يستقيم أمر استمرار التنسق الأمني وملاحقة واعتقال المقاومين في الضفة الغربية، في نفس الوقت الذي يجترح فيه شبان في مقتبل العمر، هم جيل جديد، لا أشجع، ولا أجسر، بطولات فردية تتاخم، بلا مبالغة، الاستثنائي والملحمي، وربما الأسطوري، وما العملية الفدائية الأخيرة التي نفذها، في الأسبوع الماضي، الشهيد البطل عمر أبوليلى غير دليل جديد على كيف سيكون عليه حال مقاومة الاحتلال في الضفة، لو أن هؤلاء الشبان وجدوا بيئة تنظيمية وأمنية داعمة، وحالة قيادية حاضنة، وفي أدناه، لو أن أجهزة أمن «السلطة» كفت عن ملاحقتهم واعتقالهم، فيما جيش الاحتلال وأجهزته الأمنية تقتل وتجرح وتغتال وتهدم البيوت، وتنفذ عمليات الاقتحام، وتشن الحملات الاعتقالية بصورة يومية، وفي جميع مدن وقرى ومخيمات الضفة، وقلبها القدس. أما ذريعة القمع الذي تمارسه «السلطة» هنا، في الضفة، فقطع الطريق على محاولات «حماس» لنشر الفوضى، و«تخريب المشروع الوطني»، فيما يعلمُ الجميع أن هؤلاء الشبان لا ينتمون، بالمعنى الرسمي، لأي من الفصائل، بل وبينهم محسوبون على حزب «السلطة»، «فتح»، وغيرها من الفصائل الوطنية. 

ثانياً، كيف يستقيم أمر أن تتغوّل أجهزة أمن «سلطة» «حماس»، سلطة الأمر الواقع في قطاع غزة، لدرجة أن تقمع، بصورة وحشية، حراكاً شعبياً يتصدره شباب وفتية، ذكوراً وإناثاً، أثقلت كاهلهم مظاهر الفقر والعوز والبطالة وانعدام فرص العمل وأشكال من الجباية والضرائب لدرجة أن يصبح المطلب الناظم لهذا الحراك: «بدنا نعيش»، ذلك جنباً إلى جنب مع ما يرتكبه جيش الاحتلال، في كل يوم جمعة، من مجازر ومذابح، بحق المشاركين في «مسيرات العودة وكسر الحصار». أما ذريعة «سلطة» «حماس»، فقطع الطريق على محاولات أجهزة أمن «السلطة» في رام الله لنشر حالة من الفوضى والفلتان في قطاع غزة، وكأن الشعب الفلسطيني لا يتحرك، بالمعنيين الوطني والمطلبي، إلا بقرار من «فتح» أو من «حماس»، أو كأن الشعب الفلسطيني لا يكون وطنياً ومقاوماً إلا إذا كان مقموعاً وجائعاً، أو كأن عليه أن ينحاز إلى أحد طرفيْ هذا الانقسام المدمر، «فتح» و«حماس»، وأن يغرق معهما في مستنقع الاتهامات ووصلات الردح والتخوين المتبادلة.

ثالثاً، كيف يستقيم أمر هذه الوضعية بشقيها: في الضفة والقطاع، مع ما تتعرض له القدس والمقدسات من عمليات تهويد مسعورة ومتصاعدة، وما تتعرض له الأرض من زحف استيطاني متسارع غير مسبوق، وما يتعرض له الأسرى والأسيرات من هجمة مسعورة تستهدف إلغاء ما انتزعوه من إنجازات ممهورة بالدم والجوع على مدار عقود من الزمن، وكل ذلك في إطار محاولة احتلالية «إسرائيلية»- أمريكية جديدة لتصفية القضية الفلسطينية من جميع جوانبها، وبالمعنى الوجودي للكلمة، محاولة عنوانها «صفقة القرن»، ومحركها ما يُسمى «قانون أساس القومية» ل«إسرائيل» اليهودية.

ولو شئنا الإيجاز لقلنا: إن الشعب الفلسطيني، في الوطن والشتات، إنما يواجه، عدا جرائم وارتكابات واستباحات الاحتلال الشاملة، النتائج الكارثية لخرائب عقدين ونصف العقد من مسار «أوسلو» الفاشل والعبثي، ولمصائب 12 عاماً من الانقسام الداخلي المدمِّر. تلك هي الحقيقة التي لم تعد خافية على الحالة الشعبية التي تغلي كبركان. ومقبلة، تقدم الأمر أو تأخر، على الانفجار، وما الأعمال الفدائية البطولية في الضفة، وقلبها القدس، و«مسيرات العودة وكسر الحصار» في قطاع غزة سوى المقدمات لهذا الانفجار القادم.