عن انتخابات الكنيست

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي فلسطين 24
2019-04-07 10:03:26
بقلم: فاطمة ياسين

تنطلق بعد غد الثلاثاء انتخابات الكنيست (البرلمان) الإسرائيلي الـ 21. كان هذا الموعد طارئاً بسبب خروج حزبين كبيرين بشكل متوال من الحكومة، بعد خلافاتٍ عميقة بشأن التعامل مع فلسطينيي غزة، ووجد رئيس الحكومة، نتنياهو، نفسه مجبراً على مواجهة صناديق الانتخاب. 

تجرى هذه الانتخابات في أجواء "وطنية" برّاقة، فقد اعترفت الولايات المتحدة بالقدس وبمرتفعات الجولان ممتلكات إسرائيلية بشكل نهائي. وكانت الولايات المتحدة قد أوقفت تمويل بعض الهيئات الخاصة بالفلسطينيين، كما جنت إسرائيل مكاسب معنوية، باستعادة رفات جندي قُتل قبل 37 عاماً خلال حرب إسرائيل على لبنان. وكانت قد استعادت المدرّعة التي كان يستقلها، ووقعت حينها في أيدي قوات سورية أو فلسطينية. وحالياً، هناك مركبة فضائية إسرائيلية نجحت في اختراق جاذبية الأرض، ودخلت في جاذبية القمر، وهي تقوم بمناورات فضائية، استعداداً لتحط على سطح القمر، وتضع علم إسرائيل هناك، وتقوم باختبارات علمية. 

داخلياً، لا توازي الحالة الحزبية والسياسية الاطراد في التقدّم، وإحراز النجاحات على مستويي المنطقة والعالم، فهناك رئيس وزراء سابق في السجن دينَ بتهم أخلاقية ومالية، ولدى رئيس الوزراء الحالي اتهامات خطيرة، ستجبره على الخضوع للتحقيق. أما التوجه السياسي فمقسوم حسب التسمية التقليدية (يمين ويسار)، وهي تسميةٌ ذات قطر واسع جداً. لم يحدث، عبر كل تاريخ الكنيست، أن خاض الانتخابات بالأحزاب نفسها، فدائماً كان دخول أسماء أحزاب جديدة سمةً مميزة للانتخابات الإسرائيلية. كان بعض هذه الأحزاب موسمياً يشكّل لتحقيق غايةٍ محدّدة، كحزب كاديما الذي أنشأه شارون، وكان يهدف إلى الانسحاب من غزة، وبعضها لتصفية حسابات شخصية، مثل حزب رافي الذي أنشأه بن غوريون نكاية بليفي أشكول. أما الانشقاقات الحزبية فعلى مدار العام، ويمتلئ تاريخ الكنيست بكتل تتشكل، وأخرى ينكمش عددها، طبقاً لسلوك سياسي يتذبذب ما بين يمين ويسار، بحسب التقليد السياسي المعروف. 

النجم الجديد في هذه الانتخابات هو حزب كاحول لافان (أزرق أبيض). على الرغم من أن العنوان يوحي بماركة معجون للحلاقة، إلا أنه يرمز إلى العلم الإسرائيلي المكون من اللونين التوراتيين. الحزب الجديد برئاسة رئيس سابق لأركان الجيش الإسرائيلي، ويمثل منطقة متوسطة منحرفة إلى اليمين قليلاً، هدفه الأساسي إسقاط بنيامين نتنياهو، الأمر الذي لن يحصل، نظراً للدعم الكبير الذي تلقاه نتنياهو من دولتين عظميين، لهما تأثير شديد في الداخل الإسرائيلي، فهناك تفاهمات عميقة بينه وبين رئيس روسيا، فلاديمير بوتين، تدخل ضمنها خطة مواجهة إيران، وشراكة أكيدة في سورية، فقد اكتشف بوتين أن إسرائيل عامل تهدئة سوري، وهو يستخدمه بحرفية عالية، ويمكن أن تكون هناك مصلحة روسية في بقاء نتنياهو لضمان استمرارية المعاهدات المعقودة التي تضمن أمان القوات الروسية. وهناك التزام أميركي عام بإسرائيل والهدايا القيمة التي قدمها ترامب لنتنياهو، تتجاوز مسألة الدعم الانتخابي، فهو دعم عقائدي عميق، يمكن أن يجير مؤقتاً لصالح نتنياهو، الشريك في هندسة "صفقة القرن". 

لا تتعرّض المستوطنة الإسرائيلية الكبيرة لهزاتٍ شديدة، فهي هدفٌ لدعم دائم من الولايات المتحدة أو من روسيا أو من كلتيهما، وتحصل من ألمانيا على تمويل سخي بقوة قرارات الأمم المتحدة، وتخضع لصيانةٍ مستمرة ودائمة، وقد تكون الأحزاب الجديدة التي تظهر على مراحل، وتلعب أدواراً سياسية فعالة أحياناً من مظاهر هذه الصيانة. وباعتبار أن إسرائيل محاطةٌ بالدول العربية، فقد خرجت فيها مظاهراتٌ متزامنةٌ مع مظاهرات الربيع العربي، وبكثافةٍ جماهيرية كبيرة حملت شعاراً مكتوباً بالعربية، هو "إرحل"، لم يُعرف لمن هو موجه، ولكن ما لبثت هذه المظاهرات أن خبت. 

ليس لدى إسرائيل تراث وطني عميق، بل مجموعة شعائر دينية ذات شكل أسطوري، ولكنها تمتلك عناوين مؤثرة أهمها الانتخابات، وهي تقوم بها للمرة الواحدة والعشرين، وهذا، من دون شك، تفوّق إسرائيلي فريد في المنطقة.