كراج بكدار المزدحم

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي فلسطين 24
2019-04-09 09:37:08
بقلم: صالح مشارقة

ساعاتٌ قليلة ويدخل محمد اشتية من بوابة المقاطعة الشرقية ويصعد إلى الرئيس في الطابق الثالث ويبدأ الرجلان في إقرار قائمة أسماء وزراء الحكومة المقبلة. قد يضع الرئيس الختم ويمضي، وقد يعود اشتية لمشاورات إضافية تستمر حتى الخميس.

وقبل أن يذهب اشتية إلى عباس، ازدحم كراج مؤسسة بكدار التي يترأسها اشتية لأسابيع بسيارات وفود ملونة، وفود على نياتهم يرزقون، ووفود أخرى مستوزرة، ووفود ثالثة غاضبة أو مستقيلة.

كنت أطل برأسي من نافذة قاعة محاضرات في مبنى جامعة القدس المجاور لبكدار، وأرى السيارات محشورة في الكراج، ومنها يهبط أوقافيون أو جامعيون، نسويون ويساريون، منظمات أهلية على بلديات وأحزاب، شُعب وأقاليم ومحافظات وحصص من كل الألوان. كوكتيل فلسطيني مثل موائد رمضان.

المهم، ما لا يجب أن تمر اللحظة دون قوله، هو أن الحكومة العتيدة لا تحمل في حقائبها برنامجًا سياسيًا أتعب نفسه في الالتفات إلى أسئلة السياسة الفلسطينية الحقيقية، فلا مصداقية لحديث مستقبلي عن وحدة وطنية في ظل غياب فصائل رئيسية عن الحكومة والاكتفاء بالرفاق من الفصائل الصغيرة،  ولا مكان لصدق مقولات الحكومة المقبلة عن شرعياتٍ ديمقراطيةٍ في ظل عدم حديثها عن انتخابات مقبلة، لا عامة ولا تشريعية ولا رئاسية.

ولا محطة تشير إلى تفكير الحكومة في إنهاء الانقسام، ليس لأنها لا تريد ذلك، بل لأن إنهاء الانقسام صار خارج فكرة الوزارات، وصار في مكاتب الشباب في اللجنة المركزية لحركة فتح والمكتب السياسي لحركة حماس. أما السادة الوزراء والوكلاء، فهم أضعف حلقة في هذا الموضوع وسيتم التنكيل بهم مطلبيًّا بعد ان تم كشط كل ما هو سياسي من مهماتهم.

لا مجال للقول إن الحكومة المقبلة تكنوقراط تبرر نفسها بالعلم، كما هو حال السيرة الذاتية لرئيس حكومتها، لأن لوغوهات فتح والأحزاب الصغيرة الشريكة لا تبقي مكانًا للتكنوقراط أو المستقلين. والحكومة في أقوى حالاتها ستكون مثل نسيج مقوى عن الكتل التي تخوض بها منظمة التحرير الانتخابات في النقابات والاتحادات.

حتمًا سيكون الوزراء من حملة الشهادات العليا، ولكنهم ليسوا تكنوقراط، لأن الجاذبية السياسية في شخصياتهم أقوى.

المربك فعلاً أنه كيف ستتعامل الحكومة مع غزة، في ظل تقطّع كل العلاقات، فلا وفاق ولا توافق لا على الإدارة اليومية للناس ولا على الملفات السياسية ولا على أي شيء. والمخيف أكثر من اللون الواحد في الضفة هو أن حماس، وعلى لسان هنية، عقبت على الحكومة باستخفاف وعدم اكتراث، وكل ما قاله: "هذه حكومة بلا غطاء سياسي ولا غطاء اقتصادي.."، وانتهى الفوكس بوب، ولم يقل أكثر من ذلك. لم يحتج على التشكيل ولم يحمل أحدًا المسؤولية، وهذه إشارة رهيبة على "قلة القيمة المضافة" لكل مؤسساتنا السيادية، ليس هنية من يعطي القيمة، بل كمية الاستخفاف من حماس مرعبة.

حماس ليست بريئة من التشظي، فهي دفعت كل الأمور كي تصل هنا، من جولات الحوار الفاشلة، إلى عدم التوقيع في موسكو، إلى السير بعيدًا في مفاوضاتٍ وتفكيرٍ مستقبلي لا يعرفه إلا المخابرات المصرية. والمسؤولية الوطنية والتاريخية اكبر بكثير من فكرة دفع فتح للاستفراد وادارة غزة بالتهدئات والتفاهمات والاسبرين.

وعودة على الحكومة الثامنة عشرة، فعلى الأغلب أن الرقم 18 هو أكبر معبر عنها، فهي خاويةٌ سياسيًا وبلا ملفاتٍ لا داخلية ولا خارجية، ومعطلة إداريًا في غزة، وتحت مقصلة الانقسامات الإضافية التي تسببت بها في فصائل منقسمة أصلاً، وببرنامج سياسي لم يعد ينتظره أحد، ومهمل داخليًا وإقليميًا ودوليًا.

التحدي في ما تبقى من ساعات قبل الصورة التذكارية بالبدل الكحلية والسوداء وربطات العنق المستجدة على كثيرين، التحدي الآن، هو ماذا سيكتب اشتية في بيان الحكومة، فالبروشور التنموي الذي أصدره قبل أشهر يبقى تنمويًّا ومفاهيميًا ورؤية أكاديمية ممتازة، لكنها لن تكون كافية لإدارة شؤون حكومة.

تحدي الساعات المقبلة، هو ما ستكتبه الحكومة بما يكفي للقول إنه ليس اجترارًا للماضي أو شعاراتٍ استهلكتها حكومة الحمد الله، تحدٍّ يتحدث بجرأة عن مكانة الحكومة السياسية في إنهاء الانقسام، وقدرتها على لعب مكانة إقليمية ودولية لا تكرر عن نسخ وزراء سابقين في السياسة الخارجية، ومدى استعدادها للضغط بآليات سياسية لتجديد الشرعيات التشريعية أو الرئاسية بالانتخابات، وجرأتها في مواجهة التطبيع العربي المشين، وعدم الاكتفاء بمحاربة صفقة القرن بالبيانات، بل بخطةٍ دبلوماسيةٍ كاملة.