حكومة اشتيّة واختبار ضمّ الضفة

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي فلسطين 24
2019-04-29 10:33:54
بقلم: جمال حاج علي

تتسارع الأخبار في الآونة الأخيرة حول مشاريع مختلفة لحلول سياسية تمس بصورة مباشرة الحقَّ الفلسطيني وثوابته التاريخية، ويكثر الحديث حول نيّة الإدارة الأمريكية الإعلان عن "صفقة القرن" التي عكفت إدارة الرئيس "ترمب" على تصميمها وفقاً لما يمليه صهر الرئيس "جارد كوشنر" اليهودي ومستشاريه، صاحب العلاقة الوثيقة والمتميزة مع رئيس وزراء دولة الاحتلال "نتنياهو"، حيث تفيد التقارير الإعلامية أنّ هذه الإدارة ستقوم بالإعلان عن هذه الصفقة في احتفالات ذكرى قيام الدولة العبرية الواحدة والسبعين.

بغض النظر عن تفاصيل هذه الصفقة وعن مضمونها وتفاصيلها الضبابية، فإنّ هذه الخطوة وحسب كل الأوساط ستكون الضربة القاضية والأخيرة لأي حل سياسي يعتمد على قيام دولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران عام 1967م، وستكون بمثابة الإعلان الأخير والنهائي بشطب وإلغاء كل الاتفاقيات السياسية بين منظمة التحرير ودولة الاحتلال، وستقوم الإدارة الأمريكية بفرض واقع جديد ونهائي بانتزاع مشروعية جزء مهم وكبير من أراضي الضفة الغربية بما فيها شرقيّ القدس والاعتراف بضمها لدولة الاحتلال، وتطبيق القوانين الإسرائيلية المطبقة على الأراضي المحتلة عام 1948م عليها.

تصطدم الحكومة الفلسطينية الجديدة برئاسة السيد محمد اشتيّة ، بهذا الاختبار غير المسبوق، ومن ورائها منظمة التحرير وقيادتها التي وقّعت كل الاتفاقيات باسم الشعب الفلسطيني، أملاً بإقامة دولة فلسطينية في الضفة وغزة بما فيها شرقيّ القدس، وقد بدأ هذا الاختبار بالتشديدات التي فرضتها الإدارة الأمريكية سواء بقطع المساعدات للسلطة الفلسطينية، أو وقف دعم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، والسعي إلى التضييق والحصار على القيادة الفلسطينية من خلال حملات التطبيع العربي المتسارع بأوامر أمريكية مع الدولة العبرية.

لقد استغلت الإدارة الأمريكية ومعها الدولة العبرية؛ عوامل إقليمية فرضت نفسها في العقد الأخير على الساحة العربية وكان من أهمها أمران باديان ظاهران، الأول هو فشل الانتفاضات الشعبية التي قامت بها بعض الشعوب العربية لتغيير الاستبداد السياسي الواقع عليها منذ عقود، من خلال أنظمة شمولية مدعومة بتأييد القوى الدولية الاستعمارية، مما أدى لحالة من عدم التوازن في المنطقة العربية، فمن ناحية الأنظمة؛ فهي تطلب العون الغربي لتثبيت أقدامها من خلال التأييد الدولي لخطواتها بالسكوت على البطش والتنكيل وانتهاك القوانين الدولية كما يحصل في مصر، ومن ناحية الشعوب فهي تعيش أحياناً حالة من اليأس لعدم تحقيقها أهدافها في نيل حريتها. والأمر الثاني هو اتفاق غالبية الأنظمة العربية مع الدولة العبرية على وجود عدوّ مشترك واحد وهو إيران مما أسهم في تقارب وعلاقات مكشوفة مقابل التهاون في الملف الفلسطيني.

جاءت حكومة السيد محمد اشتية في وقت تكدست فيه الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، ومفتاح حل جميع الأزمات هو إيجاد مخرج من المأزق السياسي الذي بني على اتفاقية أوسلو، بحيث كان وهماً وسراباً نحو دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967م، وتحطم هذا الوهم مع استمرار الاستيطان على أراضي هذه الدولة المستقبلية إضافة إلى اعتراف الإدارة الأمريكية بالقدس بشطريها الشرقيّ والغربيّ عاصمة موحدة لدولة الاحتلال وأخيراً ما تشير إليه التصريحات بنيّة الاحتلال ضمّ أجزاء واسعة من الضفة الغربية.

في مقابل هذه الصورة القاتمة فإنّ الواقع الفلسطيني يعيش أسوأ حالاته، فمن جهة لا يوجد حل في الأفق لإنهاء الانقسام السياسي بين الضفة وغزة، بل على العكس هو في تصاعد، ومن جهة السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير لم يرشح أي أخبار عن خطط جوهرية لمواجهة هذا الخطر الداهم، إذ لم يسمع أحد أنّ العقوبات على قطاع غزة سيتم وقفها من الحكومة الفلسطينية ولم يعلن رئيس الوزراء الجديد عن نيته زيارة القطاع المحاصر لرأب صدع الانقسام والعمل سويّاً في خندق واحد، كما أنّ فصائل العمل الوطني الفلسطيني في الضفة الغربية أشبه ما تكون في مرحلة تفريز، لا يسمع منها صوت أو لا يراد لها ذلك وعلى رأسها حركة فتح التي تشكل نواة وجوهر السلطة الفلسطينية، إذ تماهت هذه الحركة الوطنية مع السلطة وأصبحت لا يسمع لها ما يختلف عمّا يقوله الناطق باسم السلطة الفلسطينية التي قيدت نفسها باتفاقيات تلتزم بها من طرف واحد.

تقف السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير أمام خيارين، إمّا أن تكتفي بالإعلان عن رفضها إعلامياً لما يحدث، مع بعض الحراك الدبلوماسي لشرح موقفها الرافض، وتبقى ملتزمة باتفاقيات نقضها الاحتلال مراتٍ عدّة، وعلى رأس التزاماتها التنسيق الأمنيّ مع الاحتلال، وإمّا أن تذهب لخطوات مكافئة في قوتها لضم الضفة المُحتمل، وذلك بوضع خطط ذات مضمون عملي يخرج من عباءة التسليم بما يمليه "ترمب" على واقع القضية الوطنية الفلسطينية، مع تحملها تبعات ذلك وهذا يحتاج إعداد الجماهير وأن تقوم بقيادتها في الخطوات النضالية مع وحدة شاملة تضم الكل الفلسطيني، إضافة إلى شراكة وطنية شاملة في تصميم الحالة الفلسطينية المناهضة لتصفية القضية وعلى رأسها حق العودة والقدس ومصادرة السيادة على الأرض الفلسطينية.