رام الله.. مدينة لا تعرف الحب

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي فلسطين 24
2019-05-03 14:03:40
بقلم: عيسى قراقع

معذرة د. ليلى غنام محافظة رام الله والبيرة، لقد طردتني رام الله بلا وداع، لأنني عجزت ان اكتب في شالها الخمري قصيدة، وعجزت ان ازرع في ارض بطنها عسلاً ليكون ولداً أو بنتاً أو شجراً يستعيد ذاكرتها القريبة البعيدة.

رام الله تكرشت، صارت مدينة من اسمنت وغبار، مدينة بلا قصبة، مهجنة مصنعة مختلطة متداخلة متشاكلة متزاحمة، جاء إليها كل العالم، السياسيون ورجال الأعمال ورأس المال والمفاوضون والدبلوماسيون والمستثمرون والكتاب والفنانون، مؤسسات التنمية وحقوق الإنسان والديمقراطية، مؤسسات العناية بالطفولة والفقراء والمهمشين، جاءوا ومعهم الموسيقى واللكنات الجميلة والوجبات الفاخرة، تركوا فيها شيئا غريبا مشوها، أقاموا قليلا ثم غادروا دون ان يزوروا الخمسة اسود في ساحة المنارة ويلقوا عليها السلام.

ما هذه المدينة التي لا تشبهني؟ ادخل إليها عبر حاجز عسكري إسرائيلي واخرج منها عبر حاجز عسكري آخر، مدينة مغلقة، وأول من يطل عليك الجدار الفاصل عند معبر قلنديا رسمت عليه جدارية للأسير مروان البرغوثي، قسماته غاضبة، عيناه حادتان، قبضاته تدك الجدار، الكل رآه، الكل دخل المدينة، الكل شيد فيها مكاتبه وأقام ناطحات السحاب، الكل رآه من شرفات الفنادق الفخمة والمطاعم الفاخرة والمسابح الباهرة، الكل سكن الأبراج العالية وبيوت السكن الفخمة، الكل جاء من اجل السلام والدولة والسيادة، الكل زار البلد السجين، أكلوا وشربوا واجتمعوا وتمتعوا وصرفوا الملايين من الدولارات، لكنهم كلهم عجزوا عن إنزال مروان البرغوثي عن صليبه من فوق الجدار.

معذرة د. ليلى غنام، رام الله أخذت مني حبيبتي بعد ان أصبحت مدينة من باطون وحصمة واسمنت، مدينة الاستثمارات والعقارات والمصالح العابرة للحدود، مدينة الرجال الجدد الذين يكرهون الحدائق والورد والأشجار ورائحة القرية والطابون، اشتروا المساحات وبنوا العمارات، لا هواء في رام الله، لا غيم ولا طيور، الفضاء غبار، المباني السكنية عمودية احتلت السماء، خلاطات الباطون تدور، جرافات تهدم البيوت العتيقة التراثية، تهدم الشارع والسقيفة التي تعرفني، تهدم ذاكرتي، ولكنها لم تهدم مستوطنة ويهرب مستوطن، أو تزيل حاجزا ويهرب جندي، لم تمنع اعتقال شاب أو إعدام طفلة، هل هو السلام الاقتصادي، فلسطين العقار والمال والسوق والمنافسة والاستباحة؟ هل هي السيادة الشخصية والربحية بدل السيادة الوطنية؟ هل هي تلك القوة الناعمة التي أعادت تشكيل الأولويات والرغبات وافضليات الشعب الفلسطيني لتتماشى مع رغبات المحتلين في صناعة الطاعة والإذعان؟.

معذرة د. ليلى غنام، رام الله أخذت مني حبيبتي، مشاعرها صارت من حديد واسمنت، عقلها وظيفي، جسمها آلي، كلماتها أرقام، حبيبتي صارت مخلوقة ميكانيكية، خصخصوا عواطفها وأفكارها وجسدها، ملأوا وجهها بالمساحيق الأمريكية والباريسية، حبيبتي تغيرت، تسال عن الشقة والرهن العقاري، تسال عن الموضة والسيارة، تتنقل من مصلحة إلى مصلحة، تبحث عن منصب وليس حبيب، انقلب قلبها، كأنها مريضة أو كأنها قنبلة.

رام الله لا تعرف الحب، الحنين والشوق والعائلة والبلد وتصفيف الأزهار، رائحة الميرمية والتراب الأحمر، لا حب ليكون مرجعية للذاكرة وقوتها ضد النفي والنسيان، حبيبتي نسيتني، أغرقوها في الدهاليز السرية، كانت حبيبتي جميلة صارت قبيحة، لم اعد قادراً ان أوفق بين الجمال والقبح معا، لا هوى ولا جوى ولا غزل، قصيدتي قتلت واستسلم الخيال.
معذرة د. ليلى غنام، هي تنمية تحت الاحتلال، هي أرباح في ظل الاحتلال، هي وفرة العيش داخل السجن الكبير، لم اقتنع ما قاله مؤتمر جامعة بير زيت عن التنمية المستدامة في ظل الصراعات والأزمات، القيد لا زال في يدي، الخبراء الدوليين الذين تحدثوا عن تحقيق التنمية الممكنة مرافقاً مع انجاز الاستقلال الوطني وإرساء الحكم الصالح، هؤلاء لم يروا القيد في يدي وروحي، لم يروا صناعة الطبقات الجديدة، الأراضي مرتفعة الثمن والاستغلال الفظيع، الشقق الباهظة الأسعار، المدينة التي صارت كومة من الحجارة، علب اسمنت، ارتفاع الأجور،، ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، ارتفاع فاتورة المياه والكهرباء وأقساط الجامعة، في المؤتمر شعرت بالدوار والاغتراب، هناك جنازة شهيد تخرج من مخيم الجلزون وأخرى من مخيم قلنديا، وهناك لا زال الخبراء يقراون التوصيات والمذكرات والاقتراحات، حسابات كثيرة شائكة من اجل خصخصة الحرية وتخفيض نسبة الدم.

رام الله مدينة لا تعرف الحب، حبيبتي تركتني، كانت تلبس كوفية خلعتها، أصبحت من التائبين، ها هي تعلق اللوحات الدعائية على الجدران وليس صور الأسرى والشهداء، تلبس حذاءاً جميلا عالياً وفستاناً فاتناً، متعالية متغطرسة ألغت معي كل المواعيد،لم تعد تزورني بالسجن أو تكتب لي رسالة، هي مشغولة تتحرك بسرعة رأس المال، لا ترى الأسلاك الشائكة، لا ترى طوابير العمال البائسين على المعابر، لا ترى على جبل الطويل مستوطنة متوحشة تنظر إلينا من فوهة بندقية، حبيبتي صارت مشاعرها إنكارية.

معذرة د. ليلى غنام، لا تطلبي من أم الشهيد ان تزغرد في عنان السماء، اتركيها تبكي، فالدمع أقدس واطهر أنواع الماء، اتركيها تبكي، الم تلاحظي كيف انطفأت الأضواء اللامعة في تلك العمارات العالية عندما شيعنا قدم الأسير ناهض الأقرع المبتورة في مقبرة البيرة، الجنازة صغيرة، الجسد في السجن والقدم في المقبرة، لم نعد قادرين ان نجمع بين الحرية والموت بلا يدين وقدمين، ربما لم يدخل الموت في حسابات المستثمرين، لم يتحول رأس المال إلى حجارة تقذف في وجه المحتلين والسجانين، تحول إلى ترسانة من الاسمنت والحديد، ما هذه الأعجوبة؟ النماء والرفاه والمشنقة في آن واحد، لم نعد نعرف الشانق من المشنوق في هذا الصمت المتداخل المتلبس الغامض من الشعارات.

رام الله مدينة لا تعرف الحب، خلال 25 عاما من توقيع اتفاقية أوسلو ضخوا فيها المليارات والخبرات والمشاريع، كل تجارب العالم وإبداعاته وصلت رام الله لصناعة السلام والتعايش والرفاهية وتعليمنا ثقافة العولمة، حياتنا تعولمت وتشكلت وتهندست وفي نفس الوقت تضخمت المستوطنات الإسرائيلية وتوسعت وازدادت خمسة أضعاف، مياه المجاري تفيض في فصل الشتاء في شوارع المدينة لتغرق المركبات في المياه الآسنة، عدد اليائسين المنتحرين في غرف الشقق العالية يزداد، يسقط العمال عن السقالات في ورش العمل، المدينة حوصرت بالحواجز والجدران والشوارع الالتفافية والمستوطنات، كلما خصخصوا مفهوم الحرية كلما تعمق الاحتلال، وكلما تحرك رأس المال وعلت البنايات كلما صارت الحرية بعيدة، ربما لكل هذا اغلب الشهداء من الفقراء.

رام الله مدينة لا تعرف الحب، الرئيس الفلسطيني أبو مازن حاول ان يخرج من الفخ الإسرائيلي، خرج من السجن والباستونات إلى فضاء العالم وأروقة الأمم الدولية، اجترح اعتراف العالم بفلسطين كدولة وهوية وشعب وكيان، فلسطين دولة وليس مدينة، فلسطين دولة وليست منتجع سياحي، فلسطين دولة وليست معسكر تدريب لجيش الاحتلال، فلسطين دولة وليست مكانا للعصف الفكري والاستشارات والزيارات، فلسطين دولة فيها القدس وضريح أبو عمار وقبر محمود درويش وجامعة بير زيت وقصائد إبراهيم طوقان، فلسطين دولة فيها المسجد الأقصى وكنيسة القيامة والميلاد، فلسطين دولة فيها الأسير والشهيد والجريح والمعلم والمغني والعامل وعهد التميمي ونساء لسن ككل النساء، الرئيس الفلسطيني صنع فضاء واسعاً شرعياً لحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، أفكار كبيرة وعظيمة لترميم المدينة التي دعستها المجنزرات وشوهتها المليارات المسيسة والعمارات والاحتكارات الذميمة.

معذرة د. ليلى غنام، رام الله مدينة مرهقة مكبلة، وهي المدينة الوحيدة في الأراضي المحتلة التي لا يزال على أرضها سجن، هو سجن عوفر العسكري المقام على أراضي قرية رافات المصادرة، ما هذه الأعجوبة التي تجمع بين السجن وصراخ السجناء والتنمية على ارض واحدة؟ التنمية تقشط جلدة الصخر والعقل لتخلق أرضا وثقافة جديدة، واحد طليق والآخر يرسف في قيوده.

رام الله مدينة فيها أكثر من مدينة، هي نموذج صارخ لنظام فصل عنصري بشع، يطبق علينا بهدوء غريب، النظام القائم على حصر اكبر عدد ممكن من الفلسطينيين في اقل مساحة ممكنة من الأراضي، فلنذهب إلى كفر عقب، المنطقة الرمادية التي اغلب سكانها من القدس بعد ان أقصوا عن المدينة نتيجة سياسة التضييق على المقدسيين، ان كفر عقب مدينة التهجير المقدسي، وتقع في خاصرة رام الله، بنايات شاهقة، بنية تحتية معدومة، حياة ضيقة مخيفة ومرعبة، مجتمع مكتظ يعيش في حالة انتظار مسجون خلف الجدار، تطل على القدس ولكنها محرومة منها، يصل عدد الطوابق في بعض بنايات كفر عقب إلى 20 طابقا، قدرة البناية على التحمل تعتمد على ضمير المستثمر وأمانة المقاول وضمير رأس المال، الناس غرقوا في الديون والقروض وأساليب التحايل وفي بيئة غير إنسانية، لم يلتفت المستثمرون إلى القرى والأرياف والحقول المنهوبة بالجرافات واعتداءات المستوطنين، من يزرع زيتونة خضراء أفضل من الذي يزرع بناية قد تقع فوق رؤوس ساكنيها.

معذرة د. ليلى غنام، رام الله لا تعرف الحب، سرقوا قلبها الدافيء، طوقوها بالوهم والصدى وأضواء الإنارة، طردتني حبيبتي بلا وداع، بلا رسالة أو إشارة، فتشت عنها لم أجدها، دار قلبي كثيرا وطويلا كما تدور خلاطات الاسمنت، ناديت عليها في شارع ركب وفي المصيون وفي شوارع البيرة، تركت لها سلاماتي وتحياتي تحت النبع المدفون في ساحة المنارة.