الفلسطينيون ليسوا غزاة لأرضهم

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي فلسطين 24
2019-05-05 10:37:40
آخر تحديث 2019-05-05 10:43:49
بقلم: ماجد الشيخ

لم يبق من شيء إلا وجرى تسريبه عن "صفقة القرن" الترامبية، وقد اتضحت بنودها بالكامل تقريبا؛ لكونها إملاءات إسرائيلية عبر عنها اليمين المتطرف الحاكم، وزعيمه بنيامين نتانياهو، وقد عمل طوال الفترة التي كان يجري الحديث فيها عن تلك الصفقة على بلورة مواقف أكثر وضوحا، باتت الشراكة الأميركية – الإسرائيلية فيها، تأخذ صيغة الأمر بما من شأنه تنفيذ الوعد أو الوعود التوراتية المتجددة، والنهي عن كامل الوعود الفلسطينية والعربية. والأدهى من ذلك أن تكاليف تنفيذ بنود الصفقة كلها سوف تقع على عاتق من غزيت ديارهم، ونكبت شعوبهم.

تحت ظلال صفقة العصر الترامبية الموعودة، صار نتانياهو أكثر فصاحة في التعبيرعن المواقف الاستراتيجية لغزاة الأرض الفلسطينية والعربية، وفحواها بقاء سيطرة الغزاة الإسرائيليين من البحر إلى النهر في تسييد لهيمنة أمنية راسخة، على الضفة الغربية ومستوطناتها المنتشرة كالفطر. وفي هذا المجال يجري الحديث عن أكثر من 60 في المئة تحت السيادة الاحتلالية، والتكرم بالباقي لكانتونات بلدية يُقترح أن تبقى تحت سيطرة حكومة "تقاسم وظيفي" يجري الإعداد لها بموجب صفقة ترامب وتصورات حكومة الاحتلال لها.

نكبتنا الجديدة مع خطة ترامب ومن لف لفه من زعامات سياسية أميركية – إسرائيلية ويمينية أوروبية، محاولة فرض وعد "بلفوري" جديد، يشكل ربحا صافيا لتوراتيي التهويد، في مواجهة المزيد من الخسارات الصافية التي أضحت تحيق بالقضية وبالحقوق الوطنية الفلسطينية، في وقت يميل الوضع للموافقة أملا في "إنقاذ ما يمكن إنقاذه" عبر تبني خطة ترامب كـ "حل إنقاذي"، تفاديا ربما لكارثة أكبر يمكن أن تقع لو جرى رفض الصفقة ومقاومتها؛ ما يعني أن الاستسلام لـ "الأمر الواقع" بات سمة المرحلة.

ادعى الصهاينة يوما أن العرب بصدد رمي اليهود في البحر، لكننا اليوم وبعد سبعين عاما من الاحتلال، وصلنا إلى واقع سوريالي لا يشبه الواقع، يراد تشريد الفلسطينيين مرة أخرى وأخرى، ورميهم في الصحراء وفق صفقة العصر الترامبية، وما تسرب عنها، ووفق رغبات أطراف اليمين الشعبوي المتطرف عبر العالم

فلسطين ليست التي يريدها البعض وفق أوهام متلازمة أمراضه المستعصية والمزمنة إمارة. إنها فلسطين التي عرفها العالم منذ القدم. ولسنا غزاة لأرضنا، نحن ملح هذه الأرض التي كونت وطنا لشعبها، الوطن الذي لن يستطيع الاحتلال بجبروت قمعه، أن يذوّبه أو ينفي عنه هويته الوطنية.

نحن لا نتسول وطنا من أحد، نحن "الأحد" أصحاب الوطن. وها أن الغزاة يطلقون على بعض أصحاب الأرض غزاة لأرض لا يملكها المحتل ولم تكن له يوما، بل هو الذي جاء غازياً من كل أصقاع العالم، لا ينتظم جحافله وطن أو هوية أو لغة أو عادات مشتركة، ولا تاريخ واقعي يعترف به عالم الأحياء من البشر. وفي فلسطين كلها ليس لهم من أثر، كما ليس لهم في الجولان على زعم نتنياهو وترامب من أثر يذكر، لا فوق الأرض ولا تحتها، تبريرا للاعتراف بسيادة الاحتلال عليها.

فلسطين للفلسطينيين من أصل عربي كنعاني، ولكل من أختارها وارتضاها وطنا له، لهذا السبب أو لذاك، وبالقطع لا لما يزعمه أغيار العالم، مهما تكن أديانهم أو أعراقهم أو جنسياتهم السابقة على الإسرائيلية، تلك الهوية المتراكبة ازدواجا بين تزوير التاريخ واختلاق هوية توراتية مفترضة، لم تنشأ بفعل عوامل تاريخية طبيعية، بل هي إلى التطبيع الكولونيالي/الاستيطاني/الاستعماري أقرب، وأقرب إليها ذاك النموذج القهري الذي مثلته النازية والفاشيات الأوروبية وعنصريات الأبارتهايد عبر التاريخ المعاصر.