"قدوتنا رئيسنا".. نكسة السياسة والتعليم

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي فلسطين 24
2019-05-12 14:01:14
آخر تحديث 2019-05-12 14:03:14
بقلم: حسام أبو حامد

يحق للفلسطينيين مساءلة مسؤولين، خرجوا عليهم ضمن فعاليات مبادرة "لأجل فلسطين نتعلم"، ليعلنوا عن علاقةٍ بين كتب الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وتنمية مهارات الطلبة الفلسطينيين الإبداعية لإبراز هويتهم الوطنية، ودور اقتباساتٍ من تلك الكتب في الدمج بين البعدين، الوطني والمعرفي، لإحداث التطوير والتغيير المنشود، كما ذهب إلى ذلك وزير التربية والتعليم الفلسطيني، مروان عورتاني. ويحق للفلسطينيين مساءلة هؤلاء المسؤولين عن علاقة أقوال عباس تلك بصقل شخصيات الطلبة، ورفع مستوى الوعي الوطني لديهم، كما زعم عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، عزّام الأحمد. على هؤلاء وغيرهم، أن يبرهنوا للجمهور الفلسطيني كيف يمكن لتلك الاقتباسات التي جُمعت في كتيّب "قدوتنا رئيسنا" الذي تقرر منهاجا دراسيا على طلبة المدارس الفلسطينية، أن تعزّز دور العلم للارتقاء بالأمم والشعوب، وأن توجِد مبادراتٍ تنمّ عن الإبداع والتميّز، الفرضية التي اتسعت لها ذمّة مسؤول فلسطيني ثالث.

وفي الوقت الذي يطلب منا أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، صائب عريقات، أن نقرأ الكتيّب قبل الاعتراض عليه، بدعوى أن الرئيس عباس قد ألف عشرات الكتب، لم يُخبرنا ما الذي يمنح كتب الرئيس عباس قيمةً تفوق قيمة أي منتج فكري آخر لأفراد باحثين، أو مؤسّسات بحثية، خصوصا التي تثبت الحق العربي الفلسطيني تاريخيا، ودينياً، وثقافياً، وحضاريا، واقتصاديا، وإنسانيا، في فلسطين (كما يصف عريقات مؤلفات عباس)، وتستدعي فرضها، من دون غيرها، منهاجاً دراسياً مستقلاً للتربية الوطنية؟ هل تقتصر مناهج التاريخ على سيرة بطلٍ واحد من الأبطال التاريخيين؟ أو حقبةٍ تاريخية بعينها؟ وهل يدرس طلّاب الأدب نوعا محدّدا من الأدب، أو مدرسة وحيدة، أو أديباً بعينه؟ لا خير في نقاش قد لا نجني منه سوى حذلقة كلامية، تُخفي وراءها إصرار السلطة على احتكار القيمة. أما التطبيل والتزمير لقرار طباعة الكتيّب وتوزيعه على كل المؤسسات التعليمية (يذهب عريقات إلى أن الكتيّب مبادرة من طالبات في المرحلة الثانوية، وليس مقرّرا للمنهاج، بينما يؤكد عزّام الأحمد أن طباعته وتوزيعه جاءت بقرارٍ من الرئيس محمود عباس) فينسجم وتشجيع السلطة لأنماط التعليم القائم على التلقين، والأدلجة، وثقافة الطاعة، والرغبة في تكريس الرأي الرسمي حقيقة مطلقة، خدمة لأهداف سياسية، عبر التدخّل في ولاء المواطنين، والمصادرة على حقهم في الاختلاف والتنوّع، واستغلال النظام التربوي التعليمي أداةً لاستكمال منهج التفسير الواحد، والرأي الأوحد المنتشر عربيا، والذي ثبت ضررُه على النماء العلمي، ودوره في تراجع مستويات التعليم العربي في المؤشرات العالمية.

نحن هنا أمام تعميم ثقافة "اليونيفورم" التي تجعل من الثقافة الوطنية ثقافة ببغائية، وتحرف العملية التربوية التعليمية عن غايتها الأساسية في تزويد الطلاب بمهارات التفكير النقدي والمبدع، ليكتفي المتعلّم بمهارات الزخرفة الكلامية، وترديد جملٍ رنانة بوصفها شعاراتٍ سياسية تكاد تخلو من أي مضمون. من مخاطر هذه اللفظية التربوية أن تحوّل التربية من فعل حي ونشاط اجتماعي إلى تنظير منفصل عن الواقع، وإلى مجرد ظاهرة صوتية.

لا يحتاج أي مسؤول فلسطيني لمن يذكّره بالنتائج المترتبة على اضطرار الطالب لحفظ أقوال الرئيس وترديدها بهدف النجاح، أو تحصيل العلامات والدرجات، لا سيما في حال غياب الاقتناع بها، وأثرها في إشاعة حالةٍ من النفاق والمواربة، توفّرها العملية التربوية التي من المفترض أن تشكل أساس المنظومة القيمية للأفراد. ومع إنتاج نظامنا التربوي التعليمي أفراداً انتهازيين، نخطو فلسطينياً على صعيد التسليع التربوي، بوصفه أحد مظاهر السلطوية التربوية التي تحوّل التربية إلى سلعة تجارية، يتعلم معها الطالب أساليب "التسحيج" والتسلّق ومغازلة السلطة، طمعا بمكاسبها التي يحصل عليها من يتقن تلك الفنون. تغيب هنا المواطنة، تحت ضغط النفعية المروّجة تربوياً، لصالح تفكير يتغذّى من المنفعة الذاتية، والخاصة، على حساب الآخرين الشركاء في الوطن، فما بالك في حالتنا، نحن الفلسطينيين الذين نبحث عن الوطن. ولا تحتاج الحالة الفصائلية الفلسطينية مزيداً من الفردية المتطرّفة على حساب الشعب الفلسطيني، ومشروعه الوطني.

انتهت دولة الاحتلال الإسرائيلي، عبر مؤسساتها التعليمية، إلى التزامها الصريح بتعزيز هويةٍ قوميةٍ يهودية، تستند بالضرورة إلى إنكار الهوية الفلسطينية، وكان المفروض أن تكون المناهج الفلسطينية ومشاريع تطويرها جزءا من المشروع المقاوم، ومدخلا أساسيا للهوية الوطنية المأزومة، غير أن تلك المناهج فُرضت تعسّفيا، وبشكل غير ديمقراطي، ومن وجهة نظر أحادية، لتنسجم مع مرحلة ما بعد "أوسلو" الذي اعترف بالمحتل، وحوّله من عدو إلى طرفٍ في اتفاقيات ومفاوضات سياسية، حاصرت تاريخ الفلسطينيين وجغرافيتهم. وعجزت المناهج الفلسطينية، ومشاريع تطويرها، أمام تعقيدات الاتفاقيات الدولية للسلطة الفلسطينية، وضغوط دولة الاحتلال، والدول المانحة، فكانت مفاهيمها ضبابيةً اختزلت الهوية الوطنية في الوعي الوطني، فاكتفى المحتوى المعرفي للمنهاج الفلسطيني التعليمي، في مراحله كافة، بمعلومات الجغرافيا، والتاريخ، والتربية الوطنية، تحت ضغط ازدواجية الدولة والسلطة، في غياب التحرّر الوطني، وتفشّي النشاط السلطوي، ما أربك المشروع الوطني، والأولويات النضالية للشعب الفلسطيني، وشكل خطرا على هويته الوطنية التي لا تقتصر على الذاكرة، ولا هي فقط انعكاس  للحاضر، بل أيضا هي تصوّر للمستقبل.

أضم صوتي لفلسطينيين كثيرين (لا سيما الزملاء في ملتقى فلسطين وبيانهم في هذا الخصوص) ساءهم إقرار كتيّب "قدوتنا رئيسنا" منهاجا دراسيا، واعترضوا عليه، وأظنه خدش نرجسية الفلسطينيين المقتنعين بفرادة تعليمهم وكفاءته، والحريصين على صحة نظامهم السياسي. ولعل أكبر مكافأة لطالبات مدرسة بنات البيرة الثانوية الجديدة، اللاتي أعددن الكتيّب مراجعة وتلخيصا لـ 19 كتابا من كتب أبي مازن، تكون في أن نحافظ لهن، ولغيرهن من الطالبات والطلاب الفلسطينيين، على نظام تعليمي لم يلوّث بشخصنة مدارس الديكتاتوريات العربية واستبدادها، وأقوال رؤسائها "الخالدين"، وكتب تربيتها الوطنية الخضراء والصفراء والحمراء..

يسيء إقرار كتيّب "رئيسنا قدوتنا" للشعب الفلسطيني، ونظامه التعليمي، وثقافته، وسمعة مؤسساته الوطنية، والأجدر بالرئيس محمود عباس (أو غيره من المسؤولين الفلسطينيين) المراهنة على شعبيته، إذا ما أُريد لعباراته وأفكاره أن تعبر إلى قلوب الفلسطينيين، وعقولهم، وألسنتهم، كما كان الحال مع الراحل ياسر عرفات، وأن تبقى خيارا فرديا بعيدا عن التزمير والتطبيل، بل استنادا إلى قيمتها الموضوعية، خصوصا أن كتبه متوفرة في المكتبات المدرسية والعامّة، أما أفكاره الأحدث فمتاحة في وسائل الإعلام، بدل أن يتورّط ، أو يُورَّط ، في فرضها على شعبه. نأمل أن يتراجع الرئيس محمود عباس عن الخطوة، أو يتدخّل لمنعها، سيما وأننا "لأجل فلسطين نتعلم"، وليس من أجل تكريس مناصب أو تمجيد أشخاص.