على ماذا تراهن عمان ورام الله؟

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي فلسطين 24
2019-06-23 11:52:56
بقلم: فؤاد البطاينة

 

بداية أختلف تماما مع وصف مؤتمر أو ورشة البحرين على أنها الشق الاقتصادي من الصفقة. فهذا الوصف فيه عزل للورشة بحد ذاتها عن طبيعة الصفقة كعمل سياسي جاء في سياق سياسي، وفيه فصل بين الجريمة وأدواتها، وتغييب لمخرجات هذه الورشة التي لا تكون في النتيجة إلا سياسية، وبالتالي فإنه توصيف مضلل لصفقة هي واحده.

إنها في الواقع ورشة تنفيذية تمثل وتُسوق طبيعة الصفقة القائمة على مبدأ “مبادلة الأرض بالمال” على أنقاض صفقة ابتلعناها قامت على مبدأ “الأرض مقابل السلام ” وهو المبدأ الذي أنتجه قرار مجلس الأمن رقم 242 لعام 67 والذي يعني من ظاهره إستعادة الارضي المحتلة (عام 67 ) مقابل سلامنا مع اسرائيل. بينما هو في الواقع قد عنى وتضمن اعترافنا بابتلاع اسرائيل للأراضي التي احتلتها الصهيونية عام 48. ومرت تلك الصفقة التي عقدت مع الأنظمة العربية بعد أن تم تكريسها من خلال اتفاقيات كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة وانضمام السعوية لتتبناها باسم العرب من خلال مشروعها المرحلي المقبور. والنتيجة كانت أن حصلت اسرائيل على شرعية دولية وعربية باحتلال أراضي فلسطين عام 48، وحصلت على تطبيع عربي رسمي ولم تعط شبرا من الأرض للفلسطينيين.

الأن وبعد أن حققت اسرائيل غرضها الحقيقي من صفقة “الارض مقابل السلام ” كصفقة ابرمنها مع الأنظمة دون حصول الفلسطينيين على شبر أرض، وبعد أن أحالت الصهيونية أنظمتنا الى عملاء مكشوفين ومحل ابتزاز، وشعوبنا الى مكسورة الارادة تبحث عن قوت يومها وأمنها، انتقلت (أي اسرائيل) الى صفقة جديدة بعنوان الأرض” مقابل المال “. على يد ترامب موجهة بالأساس الى الشعب الفلسطيني الرافض للاحتلال ثم الى الشعب الاردني الذي تُنفذ الصفقة بواسطته وعلى حسابه. وهي ليست مطروحة كسابقتها أمام الأنظمة. ولذلك فإن الكلمة المفترضة فيها هي للشعبين اللذين يتحملان المسئولية المباشرة معا لإسقاطها.

وبالتأكيد ما قبضناه من صفقة “الارض مقابل السلام” من فشل وتراجع وتطبيع مع الاحتلال وترسيخ احتلال عام 48، سنقبضه في صفقة ترامب “الأرض مقابل المال ” من فشل وتراجع وترسيخ وتقنين مكشوف ومعلن لاحتلال عا67 استكمالا لاحتلال فلسطين بكاملها، وإدخال الأردن وشعبه وكيانه السياسي في صلب المشروع الصهيوني وتعبيد الطريق لاخضاع كل الوطن العربي للمشروع.

إن ورشة البحرين المزمعة لبحث قيمة وطبيعة المال والمشاريع الاقتصادية مقابل ما تبقى من فلسطين، ومن سيدفعه ولمن وكيف، هو ملعوب متمم لسابقه الذي ابتلعناه في صفقة الارض مقابل السلام ونحن في حالة أفضل. فلن يتحقق منه سلام ولا مال سوى ما يخص اسرائيل من مشاريع إن تمت، وتطبيع عربي معلن يرقى للتعاون السياسي والعسكري المشترك.

وإذا لم يكن للنظامين في رام الله وعمان موقف واضح وموحد وعملي قائم على التغيير والمقاومة العملية لصفقة ترامب وأدواتها، وإذا لم يتمكن الشعبين الشقيقين من التأثير على النظامين ولم نتمكن من إفشال صفقة ترامب فإننا عندها سندخل في مرحلة تهيئة البيئة الى صفقة جديدة ثالثة تُطرح أمام الشعبين الفلسطيني والأردني هي صفقة ” السلام مقابل الهوية الشخصية او جواز السفر”.

الغموض والتسويف ما زال يلف موقف نظامنا الأردني من الصفقة. ولا ندري على ماذا يراهن أو يرمي اليه وهو صاحب اللاءات. لا يكفي بل ومن غير المقنع القول بأنه يراهن على مجرد قدرة القمع لإرضاخ شعب يواجه مستقبلا بلا وطن ولا هوية وطنية. فهل يراهن النظام إذاً على نفاق الشعب في رفضه للصفقة ؟ ليس عندي جواب غير ذلك ما لم يسمع النظام الجواب من الشعب في الشارع عرضا وطولا بلافتة واحدة وخطاب وطني واحد دون توقف، لا من الأحزاب وحدها التي ما زالت غير قادرة حتى على اخراج أغلبه منتسبيها وحينها سيرضخ النظام لارادة الشعب،  وبخلاف ذلك علينا كشعب مراجعة وعينا وتربيتنا الوطنية والسياسية والعقدية. ففيها تكون مشكلتنا وليست في الأنظمة التي نعلم بأنها في صف العدو وجزءا منه، ولا في النخب الوطنية التي تحرث في الماء. إذ ليس منا على سبيل المثال من يتقبل حكم حاكم أو ينتظر نصيحة حكيم عندما يتعلق الأمر بتسليم رقبة طفله لسكين الجزار. فأي مبرر إذا لمواطن يجلس في البيت أمام مخاطر الصفقة وحلقاتها القادمة على الوطن والكرامة والمصير الذليل بين الأمم.

أن النجاحات التي حققتها الصهيونية على صعيد أنظمتنا لا نريد أن يوازيها نجاحات هي الأخطر حين تُحققها أو حققتها هذه الأنظمة على صعيد شعوبها. فالمواطن الأردني من أي مكون كان، والمواطن العربي في أي قطر هو في سكوته وتعطيله لحركة قدميه بمثابة المعاني من الاستسلام لثقافة جديدة تَفصله عن ماضيه وتفصله عن علاقته بمفهوم الشعب الواحد والوطن الواحد واستحقاقاتهما، وعن انتمائه لهما وعن أي انتماء يخرج عن ما يُفرض عليه أو يُلقن به من صاحب الكرباج وعليقة الأعلاف.

 فهل يقبل الأردنيون ذلك وهم الجالسون اليوم في غرفة المقصله ؟ ولذلك فإني أعلق الأمل الكبير على الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال الذي لم تلوثه ثقافة وأهداف سايكس بيكو في عروبته وعقيدته ووطنيته. وسيكون هو القوة القادرة بإذن الله على ازالة الصدأ الذي يغطي على عقولنا وقلوبنا.
كاتب وباحث عربي