حكاية حب بين شعبين

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي فلسطين 24
2019-07-19 11:47:47
بقلم: عبد الحميد صيام

عندما ينشر هذا المقال يوم الجمعة يكون العالم العربي من محيطه لخليجه ينتظر مباراة البطولة على كأس الأمم الافريقية بين الفريقين الجزائري والسنغالي.

ولا نشك بأن مشاعر الشعوب العربية جميعها تقف خلف الفريق الوطني الجزائري ويتمنون فوزه. وإذا ما فازت الجزائر تكون بطولة القارتين الأكبر في العالم آسيا وافريقيا من نصيب بلدين عربيين هما قطر والجزائر، وهو ما يزيدنا فخرا بمستوى الرياضة في العالم العربي.

ولا نبتعد عن الحقيقة إذا قلنا إن أكثر الشعوب العربية التصاقا ومحبة وفخرا بالفريق الوطني الجزائري بعد أبناء بلده أو مساويا لهم، هو الشعب الفلسطيني الذي يلتف حول الفريق الأوراسي ويعتبره فريقه الوطني، وفوزه بالبطولة فوز لفلسطين ـ هكذا يقول الجزائريون وهكذا يقول الفلسطينيون. 

وقد بث تلفزيون فلسطين مقاطع مطولة حول بهجة الشعب الفلسطيني بفوز الجزائر على نيجيريا الأحد الماضي، عندما أحرز رياض محرز هدف الفوز في الثواني الأخيرة من المباراة فقفز الجميع من مقاعدهم جذلين يصرخون ويبكون فرحا وسعادة لا مثيل لها. 

وحلف أحدهم لو أن الفريق الجزائري يلعب مع الفريق الفلسطيني لانحاز إلى الفريق الجزائري، كما انحاز الجزائريون عندما لعب المنتخب الفلسطيني مع فريقهم الوطني في 17 فبراير 2016. 

وما زلنا نذكر عندما سجل اللاعب الفلسطيني أحمد أبو ناهية الهدف الوحيد في المباراة وقف الشعب الجزائري في الملعب ووراءه الشعب الجزائري من وهران غربا إلى عنابة شرقا يحيي الفريق الفلسطيني، رغم أن فريقه الوطني ورمز فخره هو الذي هزم. حتى المشجعون الجزائريون في إستاد القاهرة بعد الفوز على نيجيريا، رفعوا الأعلام الفلسطينية وهتفوا لفلسطين وشهداء فلسطين. فما هي الأسباب التي وراء هذه العلاقة الحميمية والمميزة بين الشعبين؟

الشعب الفلسطيني قومي التربية بطبيعته بسبب قيام الكيان الاستعماري الصهيوني باقتلاعه من أرضه ورميه في المنافي ومخيمات اللجوء، خاصة في دول الطوق الأردن وسوريا ولبنان ومصر. فامتزج آلاف الفلسطينيين مع شعوب المنطقة وارتبطوا بهم في ميادين الحياة والعمل والمصاهرة والحلم القومي والتنظيمات السياسية. 

ثم انتقل الآلاف من الفلسطينيين للعمل في دول الخليج، ابتداء من الكويت فساهموا في تنمية هذه الدول وعملوا بجدية متناهية في تطوير أنظمتها التعليمية والصحية والمصرفية والأعمال اليدوية، فأصبحوا جزءا من نسيج المجتمع الخليجي. 

وفي ستينيات القرن الماضي وصل الآلاف منهم إلى الجزائر بعد الاستقلال ثم طرقوا أبواب ليبيا والمغرب وتونس، التي استقبلتهم بأحضان دافئة يوم اقتلعوا من لبنان عام 1982. نراجع هذه العلاقة لأننا نود أن نؤكد أن الفلسطينيين بطبيعتهم وتجاربهم يحبون إخوتهم العرب، وممتنون لهم ويتمنون لو أن الحب متبادل وبالمستوى نفسه، خاصة مع طبقة صنع القرار. لكن للفلسطينيين مظلمتين أساسيتين لا تكاد دولة تخلو من أحدهما أو كليهما: أولا الطريقة التي يعامل بها الفلسطيني في البلاد. وثانيا التطبيع مع العدو الصهيوني.

أما عن معاملة الفلسطينيين فالمظالم كثيرة ولا تكاد تخلو دولة من سوء معاملة الفلسطينيين بشكل جماعي. وغالبا ما يدفع الفلسطينيون في البلد العربي ثمن موقف خاطئ يأخذه قائد فلسطيني، كما حدث في الكويت، أو سوريا أو لموقف سياسي يضر بفلسطين تتخذه الدولة وتخشى من الوجود الفلسطيني، فيتم ترحيل أعداد كبيرة منهم في جنح الظلام، كما حدث في مصر بعد زيارة السادات للكيان الصهيوني عام 1977. 

القذافي طرد الفلسطينيين عام 1995 ورمى بهم في الصحراء على الحدود مع مصر، ليثبت أن اتفاق أوسلو قاصرعن حل القضية الفلسطينية. وفي العراق بعد الاحتلال الأمريكي توجهت بنادق الميليشيات العنصرية لصدور الفلسطينيين في حي الدورة والحرية والبلديات، ورمت بهم إلى الحدود التي أوصدت في وجهوهم لمدة تزيد عن السنتين، إلى أن استقبلتهم بلاد بعيدة مثل البرازيل وتشيلي وآيسلندا. 

وفي لبنان، الأقرب إلى قلوب الفلسطينيين واختلطت دماء الشعبين دفاعاعن فلسطين ولبنان، ارتكبت مجازر بحقهم وتم اقتلاعهم من بعض المخيمات، كما أن معاملة الفلسطينيين العاديين قد تكون الأسوأ في البلاد العربية، إذ من غير المسموح للفلسطيني أن يتملك أو يحصل على وظيفة عادية في أكثر من 70 مجالا، من بينها العمل كمحام أو طبيب أو عامل تنظيفات. 

في دول الخليج يعيش الفلسطيني ويموت ويولد أولاده وأحفاده في البلاد ولا يحصلون حتى على إقامة، ولأي سبب من الأسباب تنهى خدماتهم ويرحلون فورا. قلة من بين الدول العربية التي حافظت على كرامة الفلسطينيين، ولم تمسسهم بأي أذى وعلى رأس تلك الدول الجزائر.

أما عن التطبيع فيعرف الفلسطينيون جيدا أن العديد من القيادات العربية أقامت علاقات مع الكيان الصهيوني منذ زمن بعيد، وساهمت في كسر الجدران بين الكيان وبعض الدول العربية، بل ولعب بعض قياداتها دورا محوريا في التوصل إلى اتفاقيات سلام. 

وبعد اتفاقية كامب ديفيد بين النظام المصري والكيان الصهيوني كرّت المسبحة، وبدأت الدول تطبع سرا وعلانية، خاصة بعد اتفاقيتي أوسلو 1993 ووادي عربة 1994. بدأت الدول العربية تفتح للكيان مكاتب تجارية وتتبادل زيارات الفرق والخبراء، وتعقد المؤتمرات التطبيعية. حدث تراجع في ظاهرة التطبيع بعد المجازر التي ارتكبتها إسرائيل في الضفة الغربية وجنوب لبنان ثم غزة، لكن ظاهرة التطبيع لم تتوقف، بل أخذت أشكالا مختلفة وصلت مؤخرا مستويات غير مسبوقة، وفي أكثر من عاصمة وعلى رؤوس الأشهاد. 

ويتم هذه الأيام استقبال الفرق الرياضية والفنية والسياحية في أكثر من بلد، إضافة إلى التنسيق الأمني والتعاون العسكري والزيارات لمسؤولين عرب للكيان الصهيوني. هذا ما يراه الفلسطينيون نهارا جهارا ويشعرون بغصة في القلب، وهم يرون الكيان يخترق الدول العربية سياسيا وأمنيا وعسكريا وتجاريا وسياحيا الواحدة بعد الأخرى. غير أن حفنة من الدول ظلت عصية على التطبيع تقف الجزائر على رأس هذه القائمة.

إذن، إذا كانت أرضية العتب على معاملة الفلسطينيين تقف الجزائرعلى رأس الدول التي عاملت الفلسطينيين بمنتهى الاحترام، وإذا كان مصدر التظلم والشكوى التطبيع تقف الجزائر على رأس القائمة الصغيرة التي ظلت عيية على التطبيع، حكومة وشعبا، بغض النظر من في السلطة. من هنا نستطيع أن نفهم سر العلاقة المميزة.

بدأت العلاقة أيام ثورة التحرير الجزائرية، فكانت خطب القائد الفلسطيني أحمد الشقيري تزلزل الأمم المتحدة وهو يدافع عن حق الجزائر في الاستقلال بين عامي 1957 و 1962 وكان ممثلا للمملكة العربية السعودية، بجواز سفر سوري. وعندما اختير عام 1964 أول رئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية كانت أول زيارة له للجزائر، حيث استقبل كرئيس دولة، ومنح مكتب شارل ديغول ليكون مكتب منظمة التحرير الفلسطينية.

كان جمال عرفات أول من عمل متطوعا في جبهة التحرير الوطنية في مكتبها بالقاهرة. وتعرف على قيادات الجبهة من بينهم محمد خيضر الذي دعاه للاحتفال بالاستقلال عام 1962 وقال له: «الجزائر مفتوحة لكم من اليوم». وصل إلى الجزائر خليل الوزير فورا ليشهد افتتاح أول مكتب في العالم العربي لحركة فتح، وأطلق عليه «مكتب فلسطين». تسلم المكتب محمد أبو ميزر «أبو حاتم» الذي نسج أمتن العلاقات مع جبهة التحرير الوطنية ومع الشعب الجزائري وبدأت التدريبات على فنون حرب العصابات منذ ذلك الوقت. 

أما التدريب الرسمي فقد أبلغ أبو حاتم أن «كلية شرشال العسكرية» تحت تصرفكم. كما قام رئيس مكتب فلسطين سعيد السبع عام 1965 بإحضار 2500 معلم للمساهمة في حملة التعريب التي أطلقها الرئيس بومدين. وبدأ ينظم الدورات العسكرية المتواصلة في كلية شرشال العسكرية، بالإضافة إلى الدورات على حرب العصابات التي كانت تأخذ أشكالا مختلفة. وقد شارك الرئيس بومدين ووزير دفاعه طاهر الزبيري في احتفال تخرج الدورة الأولى عام 1966.

منذ تلك الأيام أصبحت العلاقة بين الشعبين والثورتين مبـنـية على أسس راسخة. منح الرئيس بومدين في عهده كل ما يمكن لتحقيق الفلسطينيين أهدافهم في التحرير والعودة. لم يكن يتدخل في شؤونهم بل قال لهم هذه البلاد «راها بلادكم». منح كل التسهيلات للفلسطينيين الذين تدفقوا إلى الجزائر، وتبنى قضاياهم وأطلق قولته المشهورة «أنا مع فلسطين ظالمة أو مظلومة».

ظلت الجزائر الصدر الحنون للفلسطينيين وأصبحت المكان الأسلم والأكثر أمنا لتحرك القيادات الفلسطينية والعسكرية خاصة. وفتحت المدارس والجامعات والكليات العسكرية للفلسطينيين وعقدت العديد من المؤتمرات في قصر الصنوبر. منحت الجزائر الفلسطينيين جوازات سفر ليتحركوا بها في العالم بسهولة. وقدمتهم للعديد من حركات التحرر الافريقية والعالمية، وكانت وراء عدد من الانتصارات الدبلوماسية التي حققها الفلسطينيون. منها إعلان الجزائر عام 1973 للاعتراف بالمنظمة ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني، الذي ثبت في قمة الرباط عام 1974. من خلال علاقتي العميقة مع هذا البلد العظيم. فهل يلام الشعب الفلسطيني في إبداء فرحته الغامرة لانتصارات الجزائر التي ظلت مع فلسطين قولا وفعلا ظالمة أو مظلومة.

محاضر بمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة رتغرز بنيوجرسي