حكومتان فلسطينيتان بلا مال

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي فلسطين 24
2019-07-21 10:05:04
بقلم: د. ناجي صادق شراب

الماء مصدر الحياة، والإنسان لا يستطيع أن يعيش بدون ماء، وكم عدد الذين ماتوا بسبب العطش. نحن أشبه بمن يحكم في الصحراء التي تعاني ندرة الماء. والماء الذي أقصده هو المال، وهو بيد «إسرائيل» التي تتحكم فيه، وتحديداً مال الضرائب التي تجبيها نيابة عن الفلسطينيين وفقاً للاتفاقات الموقعة بعد أن تقتطع نصيبها، وتستطيع «إسرائيل» أن تمنع أية أموال يمكن أن تدخل سواء إلى الضفة أو غزة.

الحكومتان في رام الله وغزة تحت الاحتلال «الإسرائيلي»، وهي سابقة سياسية لم تعرفها كل حركات التحرر الوطني، أن تكون لديك حكومة تحت الاحتلال وباعتراف الاحتلال، فهذا له محددات وتفاهمات سياسية مشتركة. وهذا نقيض لما هو متعارف عليه. تجاوزاً يطلق عليها وصف الحكومة. أساساً تمسك الرئيس عرفات والسلطة فيما بعد بمفهوم الحكومة كمدخل للوصول لخيار الدولة المستقلة، على اعتبار أن الدولة لها مكونات ثلاثة: الحكومة والشعب والإقليم، والأخير كله تحت الاحتلال، فحدود الحكومة ترسمها «إسرائيل» في خارطة سياسية. والحكومتان يفصل بينهما حاجز جغرافي تتحكم فيه «إسرائيل»، فهي التي تسمح بالدخول، وهي التي تسمح بالخروج. والحكومتان متباعدتان سياسياً، فلكل منهما رؤيتها وحساباتها السياسية، وهما عبارة عن فصيلين، واحد لفتح برئاستها ووزرائها رغم الغطاء المكشوف لمشاركة بعض الفصائل الفلسطينية الصغيرة، وفي غزة هناك حكومة وإن لم تكن تحمل هذا الاسم مباشرة، وتنتمي لحماس، وهي أقرب لشكل الحكومة تحت مسمى لجنة إدارية أو لجنة تنسيقية، وهي تقوم بصلاحيات كل الحكومة الداخلية، وتوزيع المهام واضح، فالجانب الخارجي منوط بحركة حماس ومكتبها، والجانب الداخلي منوط باللجنة الإدارية أياً كان المسمى الذي لا يضيف كثيراً. 

في الضفة الغربية توجد الحكومة الحقيقية التي تحظى بالشرعية الإقليمية والدولية، وهذا هو المهم. فالحكومة في الضفة الغربية هي من تحمل هذا الاسم، وهي من تتعامل مع العالم الخارجي كأي حكومة أخرى، وهي من لها التمثيل الديبلوماسي، لذلك هي الحكومة الرسمية التي لا يجوز القفز عليها، ولا أحد ينازعها هذا الحق. وللحكومة الفلسطينية وحدها الحق في إقامة العلاقات والتوقيع على الاتفاقات، أوالتفاوض مع «إسرائيل» بشكل مباشر بسبب التداخل في كثير من القضايا وخصوصاً القضايا المالية والضرائبية والخدماتية، وهذا غير مسموح به لحكومة غزة، بل هي ما تريده لأنه يخفف عنها الكثير من الأعباء، ويرفع عنها ما يمكن تسميته بالحرج السياسي. 

الإشكالية الكبرى تكمن في القدرات المالية المتاحة والممكنة، والتي بدونها لا تقدر أي منهما على القيام بواجباتها تجاه الشعب الفلسطيني. الحكومة الفلسطينية وبحكم مسؤوليتها المباشرة والكلية أمام شعبها، فمن حقها جبي المال والضرائب مقابل التوزيع العادل على مكونات الشعب والوطن. وكما نعلم لا ضريبة من دون تمثيل. الأساس في المال أن يأتي عبر تنمية الموارد المالية وعبر سياسات ترشيد وإنفاق يحقق العدالة في التوزيع. اليوم الحكومة الفلسطينية في الضفة الغربية تعاني من أزمة مالية حادة بسبب تحكم «إسرائيل» في المال الفلسطيني، بل والتحكم بكيفية إنفاقه. وهنا المال يستخدم كوظيفة سياسية لممارسة الضغط على القرار الفلسطيني. والحكومة الفلسطينية عليها كل المسؤوليات أمام شعبها من رواتب وتقديم الخدمات الحياتية. وبالمقابل في غزة المشكلة الكبيرة هي مشكلة المال ومن أين يتم الحصول عليه. فالوسيلة الوحيدة هي الرسوم والضرائب، وهذا من شأنه أن يثقل كاهل المواطن الفلسطيني، وحتى سياسات الحصار التي تمارسها «إسرائيل» تهدف إلى التحكم في المال ودخوله، وأخيراً المال الذي يأتي من قطر إلى غزة لمواجهة مشكلة الرواتب كله في النهاية الهدف منه الوصول إلى تهدئة شاملة وله بعد سياسي لا يمكن تجاهله. 

ولا ننسى أن المال الذي مصدره من الخارج لا يمكن فصله عن العملية السياسية، وكما رأينا في الورشة الاقتصادية الأخيرة والتلويح بالمال كشرط مسبق لفرض السلام الاقتصادي. ومن قبل مارست الولايات المتحدة سلاح المال وقطعت كل المساعدات عن السلطة الفلسطينية. الحل الوحيد لهذه الازدواجية هو توحيد مصادر المال الذي يعتبر مظهراً من مظاهر السيادة، والسلطة والسيطرة. فالمال في الأصل واحد، وهو ملك للشعب، ومن دون التوحد الحكومي وتحقيق المصالحة سيبقى المال بيد «إسرائيل» تتحكم فيه، وسيبقى سيفاً مسلطاً في وجه الحكومتين. وسيفقدهما الكثير من مصداقيتهما السياسية.

المال سلاح خطير في يد «إسرائيل» لتثبيت الانفصال السياسي، وتحتاج هذه الإشكالية إلى مراجعة سياسية وإدارية شاملة، لتحقيق تحول نحو ما يسمى المال المقاوم الذي يخدم الأهداف السياسية الفلسطينية ويسرع في التحرر وقيام الدولة الفلسطينية.