الحكم للمهرّجين

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي فلسطين 24
2019-07-28 10:59:26
بقلم: حسام كنفاني

مع انتخاب بوريس جونسون زعيماً لحزب المحافظين، وتوليه رسمياً رئاسة الحكومة البريطانية، تكون دائرة حكم المهرّجين الشعبويين قد بدأت تتسع عالمياً، مع ترشحها لمزيد من التمدّد في ظل ظهور التأثير الكبير للخطاب الشعبوي اليميني على الناخبين الغربيين، مع تصاعد الموجة العنصرية ضد المهاجرين، وهي التي بالأساس أوصلت جونسون إلى ما هو عليه الآن، بعد قيادته حملة الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي، والتي قامت على وقف تدفق العمال من أوروبا الشرقية إلى الجزيرة البريطانية. اللافت أن جونسون لم يكن مؤمناً حقيقة بهذا الخروج، لكنه ركب الموجة وعارض حزبه ليلمع نجمه على الساحة السياسية البريطانية، وهو الذي لم يعدم وسيلةً في السابق لتحقيق ذلك، عندما كان عمدة للعاصمة لندن، بل لم يتوان عن الإدلاء بتصريحات مثيرة للجدل والتورّط بمواقف مضحكة وضعته تحت دائرة الضوء الإعلامي. 

يمكن القول إن بوريس جونسون هو نسخة عن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بل لعل الأخير ملهمه، على الرغم من أن هناك فارقاً كبيراً بين الرجلين، وهو أن جونسون ليس غبياً كما يود أن يروّج صورة عن نفسه، بل هو يحاول تقليد ترامب، بعدما وجد نجاعة شعبية في الأسلوب الذي يعتمده الأخير. آلية وصول جونسون إلى رئاسة الحكومة قد تعطي مؤشراً حقيقياً على الفارق، فهو لم يصل بتصويت شعبي يميني، بل بأصوات نواب من داخل الحزب بداية، ثم بأصوات قاعدة الحزب في البلاد، أي أن هناك جزءاً واسعاً من الطبقة السياسية في بريطانيا، وتحديداً من داخل حزب المحافظين، ارتأت أن جونسون هو رجل المرحلة، ما يؤشّر إلى وجود وجهين للرجل، أحدهما هو السياسي المحنك الذي يظهر خلف الأبواب المغلقة، والآخر هو المهرّج الذي يريد أن يستعمله في أي انتخابات مرتقبة، قد تكون قريبة، سائراً على هدي ترامب. مثل هذا الفارق ليس موجوداً في حالة ترامب، فهو واحد في السر والعلن، وأسلوب التهريج معتمد لديه منذ وقت طويل، قبل أن يفكّر في الترشّح لرئاسة الولايات المتحدة، وهو ما تكشفه المقاطع المصورة التي أظهرته مشاركاً في معركة على حلبة للمصارعة الحرة وراقصاً في إعلان للترويج لمطعم افتتح لأجنحة الدجاج. 

أصبح ترامب مدرسة حقيقية لكل سياسي غربي يريد الوصول إلى أعلى المراكز في بلاده، وخصوصاً مع إظهار الاستطلاعات أن ترامب. وعلى الرغم من كل العنصرية التي أظهرها والكوارث السياسية التي ارتكبها واتهامه الصريح بالتعاون مع الروس في التدخل في الانتخابات الرئاسية ضد منافسته هيلاري كلينتون، لا يزال قادراً على نيل الولاية الثانية وبفارق مريح عن أي منافس له من الحزب الديمقراطي. مثل هذه الاستطلاعات تحفز أي مرشح في أي دولة غربية على السير على خطى الرئيس الأميركي، سيما أن المد اليميني في عدد من الدول الغربية، ولا سيما دول ما كان يسمى أوروبا الغربية، لا يختلف كثيراً عما هو عليه في الولايات المتحدة، بل بدأ يتماهى معه على مستويات عدة، منها موضوع التسلح واللجوء إلى العنف والتخريب، كما ظهر أخيراً في ألمانيا وإيطاليا. 

وعلى الرغم من أن الخطاب الشعبوي ليس حكراً على اليمين، بل استخدم في حالات يسارية عدة، لكنه اليوم أصبح السلاح الأمضى في يد المد اليميني الجديد للوصول إلى السلطة، بعدما أثبت ترامب، وغيره ممن ساروا على هديه، أن الأرقام والأفكار لا تعني شيئاً في صناديق الاقتراع، وأن مخاطبة العواطف وإسماع القاعدة الشعبية ما تريد سماعه، يؤتي أكله في النهاية، ويؤسس لقاعدة "الحكم للمهرّجين" التي افتتحها ترامب، ولا يبدو أنها ستغلق قريباً.