بماذا نتذكر السبسي؟

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي فلسطين 24
2019-07-28 10:07:23
بقلم: فارس بن حزام

في عيد جمهورية أطلقها الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، يرحل سكرتيره الوفي ورئيسها تالياً، الباجي قائد السبسي. عمر طويل أفناه في مواقف بلاده ومشاق أيامها. المحامي الحذق، يخبر سياسة تونس وسياسييها، يعرف الصالحين والانتهازيين. يجيد لغة الموازنات وضربة الحسم؛ فكان الأمين على مفاتيح الدولة ومؤسساتها ودستورها.

في ذروة العطاء، وثروة المعرفة والخبرة، أعاد إحياء الدولة، وخاض معركة لم يتوقع له الكثير الانتصار فيها، وانتصر وقدّم نموذجاً ديموقراطياً، وجنّب بلاده عبث المتطرفين، وتطلعات الصغار، وحمى قواعد أستاذه ورئيسه سيد الوطن القديم بورقيبة.

اثنان وتسعون عاماً مديدة في عمر الإنسان، وثرية في مسيرة الرجل الراحل قائد السبسي. في تونس ينادونه أحبابه "البجوج"، تودداً وتلطفاً باسمه الأول الباجي. يحبونه كثيراً، وأحبهم أكثر. وخصومه يحترمون فيه نزاهته في الخلاف، ورصانة الردّ في اللقاء، ويهابون ذكاءه في إدارة المعارك.

طوال سنوات المحاماة والعمل في مكتب الرئيس كوّن شخصيته التونسية الرفيعة. اختلت الدولة بعد شهر من رحيل رئيسها زين العابدين بن علي، واستقال رئيس الحكومة، وكان قائد السبسي الرجل الواقف والسديد لوقف النزف والفراغ، وتسيير البلد المثال في الربيع وكل مواسم الأزمات.

بعد أول انتخابات تفرغ لمعركته المصيرية، وفي ظرف عامين قلب آلة الحساب والنرد والطاولة على الصفوف البعيدة عن صفه الأوحد (الشعب التونسي). جمع المثقفين والسياسيين المعزولين، وأعاد تشكيل جبهة موحدة، وواجه بالخائفين على البلاد جماعة "الإخوان" في ذروة انتشائهم، وتمكنهم العريض من البلاد، ومحصنات الدولة نظاماً وأمناً؛ فكان منيعاً أمام احتلال قطر لتلك الشخصيات، وانتصر بجبهة "نداء تونس" عليهم، وأعاد دفة البلاد لتبحر في مسارها السليم السابق.

كان صريحاً في حديثه، حاداً في تلميحاته الديبلوماسية. لقد دربته التجربة وسقاه العمر مضادات المراحل، فأحكم حركة منافسيه على المسرح السياسي.

في عامه الأخير، لم تعقه العقود التسعة من ضبط اتجاه الدولة والمجتمع. وحافظ على نشاطه ولياقته العملية. وفي عامه الأخير، حاول زعيم "الإخوان" الذكي راشد الغنوشي أن يزايد عليه بالتنوير أمام الغرب، فوجه له حنكة الفعل والردّ الصريح والصائب، مما أبعد سيد المزايدات ونحاه لمثوى مؤجل أو بعيد عن المقارعة.

واليوم وغداً، لا خوف على تونس، فمثلها قليل في منطقتنا؛ دولة قامت على مؤسسات راسخة، وشعب يقف فوق تلال من العلم والمعرفة، ولذا سنتذكر السبسي قائداً وطنياً لامعاً، وواقفاً على مبادئ الزعيم الأول، ووفياً لوطن لم يخرج منه بغير العلم يدثر جثمانه، ويذهب إلى ثرى تونس الكبيرة بمثقفيها ووعي مجتمعها عند المحن. الآن، الحديث عن رجل يترك بلاداً ضخمة الأسماء، وتفقد الأب الأخير والشهادة البارزة عن زمنين. لقد غادر قرطاج رئيساً برداء أب وجوهر وطن، ويقول لها: وداعاً تونس الكبيرة.