بطولات الكذب والفَشْخَرَة

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي فلسطين 24
2019-08-04 10:53:24
بقلم: خطيب بدلة

إذا حاصرني الضبعُ في ليلة شاتية، وأدار عليَّ مؤخرته، وصار يرشقني بالطين ليعمي عينيَّ، ويطلقُ عليَّ فِسَاءَهُ ذا الرائحة الأقرب إلى رائحة غاز الأعصاب، قاصداً أن يشلّ مقدرتي على المقاومة، تمهيداً لافتراسي، وأيقنتُ أنني هالك، فلا بد لي حينئذ من أن أُنَخّي نفسي، وأصيح: أنا أخوكِ يا فلانة، أو أنا أبوك يا عَلّان. وإذا تمكنتُ، بفضل هذه النخوة الطارئة، من الهرب، أو انتصرتُ على الضبع بدافع حب الحياة المتأصل بي؛ هل أكون بطلاً شجاعاً؟ أم أنني شبيه بابن بلدنا الذي ذهب إلى البحر أول مرة في حياته، ورأى ولداً يغرق فنزل وراءه، وصار يخبط بيديه ورجليه، حتى وصل إليه، والولد قفز نحوه، وتعلّق برقبته. وفي أثناء هذا، تَجَمَّعَ الناس على الشاطئ، ومدّوا إليه بحبل، وسحبوه مع الولد حتى وصلا إلى بر الأمان، وحَيَّاهُ الرجال، وهتفوا بصوت واحد: عاش البطل، عاش المنقذ.. والنسوة زغردن ورششن عليه الياسمين، والشباب الحلبيون الموجودون في المكان هتفوا: الله يساور دوس دوس هيه.. فقال لهم وهو على آخر نَفَس: مين الواطي اللي دَفَشْني؟! 

لا تتضمن هذه المقدمةُ دعوةً إلى إنكار الذات والتواضع الشديد، وأن ينفي الإنسان عن نفسه أي نوعٍ من البطولة، حتى ولو كانت بطولةً غير مقصودة، كما في حادثة إنقاذ الولد، ولكنها بالتأكيد دعوةٌ صادقةٌ إلى نبذ البطولات الزائفة التي تبلغ مستوياتٍ عالية من الكذب و"الفشخرة" والمشي على العريض، مثل أبطال مسلسل "باب الحارة". وللعلم، تاريخنا الأدبي مليء بأمثلةٍ عن هذه الحالة، سآخذ منها ما يلزم لمناقشة هذه الفكرة، كقصيدة أبي فراس الحمداني "أراك عصي الدمع" وبالأخص قوله: ونحن أناسٌ لا توسطَ عندنا/ لنا الصدرُ دون العالمين أو القبرُ. 

ليس المقصود من هذا المثال مناقشةَ الحالة النفسية التي كان يعيشها الشاعر أبو فراس، حينما أبدعَ هذه القصيدة العامرة بالفخر والادّعاء، وفيها قولُه: ولكن مثلي لا يُذَاعُ له سِرُّ/ إذا متُّ ظمآنَ فلا نزل القَطْرُ، ويختمها بقوله: أعزُّ بني الدنيا وأعلى ذوي العُلا/ وأكرمُ مَنْ فوقَ الترابِ ولا فخرُ.. وإنما المقصود أننا، نحن العرب المعاصرين، حينما نتمثّل هذه القيم الاستعلائية، نبدو مضحكين إلى أبعد الحدود، فنحن، في الواقع، نبحث عن "التوسط" ولا نعثر عليه، ولسنا بعيدين عن صدور المجالس وحسب، بل إن جثثنا ملأت القبور التي قال المعرّي إنها تملأ الرحبَ (فأينَ القبور من عهد عادِ؟)، ومَن يبقَ منا على قيد الحياة، يَعِشْ مذلولاً مهاناً، ممنوعاً من المطالبة بأبسط حقوقه السياسية والإنسانية والاجتماعية والجنسية، فإن تجرّأ شعبٌ من شعوبنا "الغلبانة" وطالب ببعض هذه الحقوق، سيغضب عليه نظامُه الذي كان يؤكد له في آناء الليل وأطراف النهار أنه باقٍ إلى الأبد، ويصبح لزاماً عليه أن "يضَبّ الشناتي" ويملأها بما خفّ وزنه وغلا ثمنه، والهرب من البيت قبل أن تنهمر عليه القذائف والصواريخ والبراميل، وبعدها يتكفل عناصرُ جيش بلاده الباسل بزيارة بيته ضمن زيارة تعفيشية هادئة، تتضمن إخراج قطع الأثاث التي ذاق الحنظل والعلقم حتى اشتراها نقداً أو تقسيطاً؛ يخرجونها بأناةٍ ورويةٍ محاذرين ألا تصطدم بالجدران، فتصابَ بكسور أو خدوش تقلل من قيمتها في أثناء بيعها في سوق المعفوشات الذي يحمل اسماً دالاً على متانة اللُحمة الوطنية في هذا القُطْر الصامد "سوق السُنّة".. 

لا بد أن يقول لي قائل: ماذا جرى لك، يا أبا فلان، حتى رحتَ تفنّد آراء الحمداني، ذلك الشاعر الشفيف الذي يمتلك قدراً لا يستهان به من العزّة والإباء؟ ألم تقرأ قولَ المتنبي: أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي.. وقولَ عمرو بن كلثوم "إذا بلغ الفطام لنا صبيٌّ تخرُّ له الجبابر ساجدينا"؟ فأقول له: بلى، وتلك النماذج تحتاج إلى وقفة خاصة.