مأساة الفلسطينيين في لبنان

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي فلسطين 24
2019-08-18 10:36:37
بقلم: عبد الستار قاسم

عانى اللاجئون الفلسطينيون المحن والأزمات، وأصابهم من الآلام والأحزان على مدى أكثر من سبعين عاما ما يكفي ويفيض عن قدرة الإنسان على التحمل. ولم تقتصر الآلام على آلام اللجوء والتشرد، بل امتدت أحيانا كثيرة إلى سوء معاملة بعض المضيفين سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي.  تعرض اللاجئون الفلسطينيون في أوساط شعبية في كل بلاد الشام إلى التمييز وإلى بعض الإذلال والإهانة، ومن التعامل معهم بطريقة فجة وعنصرية. وقد تحملوا كل الأثقال وبقوا أوفياء لقضيتهم وحقوقهم ودماء شهدائهم.

اختلف التعامل مع اللاجئين الفلسطينيين من مكان إلى آخر، وحظي اللاجئون بأفضل معاملة في سوريا التي اتبعت سياسة غير تمييزية، وساوت بينهم وبين المواطنين السوريين. وأتت الأردن في المرتبة الثانية دون إغفال سياسة أردنية قامت على أردنة الفلسطينيين ما ساهم جزئيا في تغييب حق اللاجئين في العودة. ربما كانت السياسة الأردنية تجاه اللاجئين متساوقة مع النظرة الإسرائيلية الغربية الهادفة إلى تصفية قضية اللاجئين وإضاعة الحقوق الفلسطينية.

أما في لبنان فلم يهنأ الفلسطينيون بإقامة مريحة وآمنة اقتصاديا، وبقوا يتعرضون لأزمات متنوعة مصدرها الحكومة اللبنانية أحيانا، وأحزاب لبنانية أحيانا أخرى، والكيان الصهيوني، وسوء تصرف بعض الفصائل الفلسطينية أحيانا أخرى. أغلب الأزمات كانت عابرة إلا من اثنتين: الأولى أزمة اللجوء والبعد عن الوطن، والثانية انحياز الحكومة اللبنانية ضد اللاجئين. وقد برر بعض اللبنانيين وما زالوا يبررون التحيز ضد اللاجئين على قاعدة الإخلال بالتوازن السكاني في لبنان. لبنان منقسمة مذهبيا وطائفيا، ودستورها يكرس هذا الانقسام الذي ما زالت الأحزاب اللبنانية والطوائف تعتمده وتمارسه وتحرص عليه. جدلية اللبنانيين تقول إن اللاجئين الفلسطينيين مسلمون سنة، وهم، إن بقوا في لبنان، يرجحون كفة المسلمين على حساب المسيحيين، ويرجحون كفة أهل السنة على حساب أهل الشيعة. جدلية رجعية متخلفة نابعة من تخلف النظام السياسي اللبناني والتوزيع الطائفي للمسؤوليات. هذا تخلف موجود في لبنان وهو يسيء للبنان ويؤثر سلبا على نهوضه السياسي والثقافي والاقتصادي والاجتماعي، وبدل أن يتخلصوا منه بدعم من الفلسطينيين يضعون الفلسطينيين عاملا قد يؤثر على توازن التخلف.

معروف أن أهل لبنان، الناس العاديون قد استقبلوا اللاجئين الفلسطينيين وساهموا بقدر الإمكان في دعمهم غذائيا وإيوائهم، ووفروا لهم ما تيسر من أعمال. وكان ذلك عندما لم يدخل في الوعي الشعبي لأهل الشام اتفاقية سايكس بيكو، وكان الناس يتعاملون على أنهم شعب واحد ذوو مصير واحد.  الحكومات هي التي تبنت بدون إعلان تقسيم بلاد الشام والعراق وفق اتفاقية سايكس بيكو وصكوك الانتداب التي وضعتها عصبة الأمم. والحكومات هي التي أدخلت في عقول الناس التجزئة الشامية أو السورية، وصنعت ثقافات متعددة ومتخاصمة أحيانا. أي أن الحكومات في بلاد الشام، باستثناء سوريا إلى حد كبير، روضت الناس ودجنتهم عبر سياساتها الداخلية على القبول العملي باتفاقية سايكس بيكو. ولو كان الباحث يسأل الحكومات عن تقسيم بلاد الشام لأوسعت الاتفاقية هجوا وكرها، لكن الأمر يختلف عندما نرى الواقع العملي. الواقع العملي يختلف عن الكلام النظري. وقد أقرت كل حكومات بلاد الشام بالتقسيم من خلال ترسيم الحدود الذي حصل بين سوريا والأردن، وبالذهاب بوفود مستقلة إلى مؤتمر مدريد عام 1991. ولم تختلف منظمة التحرير في سلوكها التقسيمي عن بقية إقطاعيات الشام على الرغم من أن مصلحتها بقاء القضية الفلسطينية عربية شامية إسلامية.

تساوقت الحكومات مع الطرح الإسرائيلي الغربي بصورة عامة، وتمسكت حكومة لبنان بسياسة التنغيص على الفلسطينيين واعتبارهم غرباء وحرمتهم من حرية العمل، وضيقت عليهم الخناق الاقتصادي. وبالرغم من كل الجهود المبذولة لتليين مواقف الحكومة اللبنانية إلا أنها بقيت متعنتة، وبرز تعنتها مؤخرا في قرار وزير العمل اللبناني كميل أبو سليمان إلزام الفلسطينيين الحصول على إجازات عمل على اعتبار أنهم أجانب.

الفلسطينيون ليسوا غرباء عن لبنان أو في لبنان. وهم ليسوا أجانب. الفلسطينيون في لبنان لاجئون ويجب أن تنطبق عليهم اللوائح الدولية في التعامل مع اللاجئين. والفلسطينيون هم من أهل الشام، وكما للبناني واجب عند الفلسطيني، للفلسطيني واجب عند اللبناني. وما يصيب لبنان من خير يصيب الفلسطيني، وما يصيب اللبناني من ضر يصيب الفلسطيني.

ومنذ اللجوء حتى يومنا هذا والفلسطينيون يشكلون دعامة اقتصادية قوية للبنان. هم ساهموا بداية بالنهوض بالاقتصاد اللبناني البدائي الذي كان سائدا في لبنان بعد عام 1948. هم حرثوا الأرض وزرعوا وحصدوا، وأقاموا المشاريع، ولو كانت صغيرة الحجم، التي دعمت فلسطينيين ولبنانيين، وهم غرسوا الأشجار وروا الأرض، الخ. ونشاطات الفلسطينيين الاقتصادية لم تقتصر مردوداتها على المستوى الشعبي، وإنما استفادت الحكومة من ذلك كثيرا من خلال رفع حجم الناتج المحلي، ورفع قيمة الجبايات الضريبية من المنتجين. وساهم الفلسطينيون أيضا في الحفاظ على أمن لبنان، وما زال لديهم الاستعداد للقتال من أجل حماية لبنان وصيانة أمنه. صحيح أن بعض الفصائل الفلسطينية قد وقعت في أخطاء لها علاقة بالحرب الداخلية اللبنانية، لكن الجميع أدرك فيما بعد هذا الخطأ واستدركه. وكل الفلسطينيين في لبنان يجمعون الآن على ضرورة المساهمة في أمن البلاد وأمن المخيمات الفلسطينية.

وإذا كان اللبنانيون حريصين على حق العودة للفلسطينيين فإنه من الضروري أن يتأكدوا أن إصرار الفلسطينيين على العودة لا يتزعزع. نحن لا نريد أن نبقى مشتتين في العالم وإنما نصر على عودتنا إلى وطننا. ولهذا مطلوب من كل البلاد العربية القيام بمختلف السياسات التي تؤدي إلى عودة الفلسطينيين، وليس إلى تهجيرهم إلى أوروبا كما يفعل الآن وزير العمل اللبناني. ومن أراد حق العودة، نتوقع منه دعم حزب الله في مواجهة إسرائيل لإجبارها على فتح أبواب العودة أمام الفلسطينيين. ومن لا يدعم إجبار إسرائيل على ذلك لا يؤيد حق العودة ويريد الإبقاء على قضية اللاجئين بدون حل.