عندما قرّر عباس

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي فلسطين 24
2019-08-21 10:21:58
بقلم: إبراهيم فريحات

فاجأ الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، كثيرين بإصداره قراراتٍ غير عادية، تتعلق بإدارة المال العام، منهياً خدمات كل مستشاريه، بغض النظر عن درجاتهم، وإيقاف الامتيازات المترتبة على صفتهم الاستشارية. كما أصدر قراراً يلزم وزراء الحكومة السابقة بإعادة المبالغ التي كانوا قد تقاضوها زيادات في رواتبهم، من دون أن يكون هناك قرار رئاسي يسمح بذلك. وتتوارد أخبار عن أن هذه القرارات لا تعدو كونها "حافّة الجبل الجليدي" (the tip of the iceberg)، فهناك قرارات "ثورية" أكبر تصدر قريباً. وإذا ما أخذت هذه القرارات، أو حتى جزء منها، طريقها الى التنفيذ، فإنها قد تشكل بداية لإصلاح نظام سياسي فلسطيني تورّم فساداً، وأصبح يشكل عبئا على كل أعضائه. 

من الصعب الجزم بالأسباب الحقيقية لهذه القرارات، فما يتبادر إلى الذهن فوراً أن الازمة المالية التي تتعرّض لها السلطة الفلسطينية، خصوصاً بعد سياسة التضييق المالي التي تمارسها عليها الإدارة الأميركية وإسرائيل أصبحت تتطلب التضحية ببعض العاملين في النظام السياسي، وذلك حتى يعيش الجزء الآخر، إذ لم تعد الموارد كافية للجميع. وقد يكون السبب استعادة ثقة الشارع الفلسطيني بقيادته، خصوصاً بعد أن أصبح موظفو القطاع العام يتسلمون نصف رواتبهم، منذ بدء الأزمة المالية الحادة قبل ستة شهور، وصار لا بد للقيادة أن تساهم هي الأخرى في هذا الهم الوطني، فتذهب الامتيازات المالية المخصصة للمستشارين، ويعيد الوزراء جزءا مما تقاضوه. وبما أن المواجهة مع مهندسي "صفقة القرن" تشتد أكثر فأكثر، وقد يؤدي ذلك إلى سيناريو مشابه لمواجهة الانتفاضة الثانية التي تم فيها التخلص من ياسر عرفات، فقد يكون الرئيس عباس أكثر قلقاً على إرثه السياسي، وقرّر الدخول في معركة إصلاح النظام السياسي الفلسطيني. تتعدد السيناريوهات إذاً، وقد لا يعدو ما صدر من قرارات أن يكون تكتيكاً محدوداً يشابه في مصيره قرارات سحب الاعتراف من إسرائيل ووقف التعاون معها وغيرهما. 

ومهما تكن الأسباب وراء هذه القرارات، تحتاج معركة الإصلاح السياسي أكثر من إنهاء خدمات مستشارين ووقف امتيازاتهم، فهؤلاء في نظام سياسي عربي قائم على المركزية في صنع القرار لا تتم استشارتهم أصلاً، بل تقتصر وظيفتهم على ما يمكن تسميتها "العزوة السياسية"، ولشراء ولاءاتهم للمحافظة على توازن النظام السياسي المتناقض في كثير من جوانبه، فطاقم كبير من المستشارين يشيع هيبة سياسية، تؤدي وظيفة في مجتمع يؤمن بالقيم الجمعية، وليس الفردية. كما أن المستشارين وعائلاتهم الممتدة ومناطق نفوذهم الحزبية رافد حيوي لدعم النظام واستمراريته. والنظام السياسي الفلسطيني ليس منتخبا ديمقراطياً ليستمد شرعيته من الناخب كما في الديمقراطيات الغربية، وليس نظاما أيديولوجيا يستمد شرعيته من النظرية الدينية، وحمل الرسالة السماوية كما في إيران، بل هو نظام يقوم على المنفعة المتبادلة، يمنح الفرد الولاء للنظام في مقابل الحصول على امتيازات شخصية، فطرد المستشارين يعني ضربا لهذه العلاقة التعاقدية غير المكتوبة. وهذا يعني أن الخلاص منهم لن يكون بالسهولة التي يمكن تخيلها، فقد يتحولون إلى قوة تعمل ضد الرئاسة نفسها، إذ أصبحت المسألة تتعلق بوجودهم في النظام السياسي نفسه. ولا يقلل هذا كله كثيراً من فرضية أن القرارات هذه ستأخذ طريقها إلى التنفيذ، ولربما يتم إيجاد تسوية معينة تحافظ على العلاقة التعاقدية بين الفرد والنظام السياسي، كأن يتم تحويل المستشارين إلى مهام ووظائف أخرى في داخل النظام السياسي الأكبر. 

وعلى الرغم من صعوبة الخيارات التي يواجهها الرئيس عباس، لا يوجد لديه بديل عن خوض معركة الإصلاح السياسي، إذا أراد أن ينجح في مقاومة الضغوط الأميركية والإسرائيلية التي لن تتوقف على الأقل حتى الانتخابات الأميركية في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني 2020. وقد تخلى كثيرون من حلفاء السلطة الفلسطينية عن دعمها، سواء أنظمة عربية أو حتى أوروبا العاجزة عن مقاومة الهجمة الأميركية - الإسرائيلية على نموذج "حل الدولتين" الذي تبنّته ودافعت عنه تاريخياً، فالحليف الحقيقي الذي يمكن له أن يحمي القيادة الفلسطينية من هذه الهجمة هو المجتمع الفلسطيني نفسه. وهناك هوة كبيرة في الثقة بين القيادة والمجتمع لأسباب كثيرة، منها الانقسام وغياب الرؤية السياسية. ولذلك يبقى العامل الأكبر لاستعادة الثقة بين القيادة والمجتمع، محاربة الفساد بأشكاله كافة، فهي الطريق الأقصر والأكثر فاعلية لكسب معركة القلب والعقل في المجتمع الفلسطيني. مجتمع يلتف خلف القيادة، هو فقط ما يستطيع أن يشكل الرافعة لها لمقاومة الهجمة الأميركية - الإسرائيلية. 

الشارع الفلسطيني متعطش لمثل هذه القرارات، فهو يعاني أزمة مالية خانقة، ويريد رؤية قيادة مسؤولة تتقاسم معه هذا الهم لكي يثق بها، لا أن تحتفظ بامتيازاتها المالية والبروتوكولية بينما تطالب المواطنين بالصمود في وجه الضغوط الخارجية. المعركة مفروضة من الخارج والقيادة مع الشارع جنباً الى جنب يمكنهما خوض المواجهة، وإلا ستكتشف القيادة بعد فوات الأوان أنها تخلت عن الطرف الأقوى في المعادلة، وهو حاضنتها الشعبية التي تريد أن ترى إصلاحاً حقيقياً واجتثاثاً للفساد بأشكاله المختلفة.