لماذا يخافون رشيدة؟

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي فلسطين 24
2019-08-21 10:23:24
بقلم: سراج عاصي

أن يبادر الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، إلى دعوة زعيم دولة أخرى، بنيامين نتنياهو، إلى منع دخول نائبتين في الكونغرس، رشيدة طليب وإلهان عمر، فتلك سابقة خطيرة في السياسة الأميركية، غير أنّه ليس مفاجئا إذا تذكرنا أنّ الرئيس ترامب معروف بعدائه العصابي للفلسطينيين، ويعاني مما يمكن تسميته فلسطينوفوبيا (أو رهاب الفلسطينيين). ولعلّ هذا المصطلح يكاد يكون معدوما في الخطاب السياسي، غير أنه، بوصفه ظاهرة عصابية جماعية، بات ملمحا أساسيا في السياسة الأميركية الراهنة. 

تكررت أعراض هذه الفلسطينوفوبيا أخيرا في هجمات عنصرية شنّها دونالد ترامب على موقع على "تويتر"، واستهدفت النائبة عن ولاية ميشيغن، رشيدة طليب، أول فلسطينية الأصل منتخبة في الكونغرس الأميركي. كان جديد هذه الهجمات دعوة ترامب النائبة إلى "العودة إلى بلدها"، علما أنّ طليب من مواليد مدينة ديترويت في ولاية ميشيغن. وفي تسويغه لتصريحاته العنصرية، اتهم ترامب طليب مرارا بكره إسرائيل واللاسامية، وذلك في مناخ سياسي يشكل فيه الخلط بين مناهضة إسرائيل واللاسامية تكتيكا شائعا لشيطنة الفلسطينيين وداعميهم في الولايات المتحدة. 

ولعلّ ترامب لا يحتاج إلى ذريعة لمعاداة طليب؛ يكفي أنها فلسطينية، فهو معروفٌ بعدائه العصابي لكلّ ما هو فلسطيني، واستهل ولايته بشنّ حرب سياسية شاملة ضد الفلسطينيين،  وفرض عقوبات ذات طابع انتقامي ضدّ شعبٍ بأكمله، منها نقل السفارة الأميركية إلى القدس، وتجميد الدعم الأميركي لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، والمدنيين الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة، وإغلاق المكتب التمثيلي الفلسطيني في واشنطن. ولم ينس ترامب فلسطين من تصريحاته العنصرية على "تويتر"، وهو ما تكرر بوضوح في تغريدات له اتهم فيها الفلسطينيين بأنهم شعب "ناكر للجميل". (لنا أن نتخيل لو أنّ مثل هذه التصريحات صدرت بحقّ اليهود أو أيّ مجموعة إثنية أخرى). 

لم تتردد طليب في إبراز هويتها الفلسطينية، نكايةً بالرئيس الأميركي وتحديا للخطاب الفلسطينوفوبي السائد، فهي أدت القسم الدستوري على نسخة من القرآن الكريم، مرتديةً ثوبا تقليديا فلسطينيا. كما تعارض الاحتلال وتدعم حركة مقاطعة إسرائيل من على منبر الكونغرس. وفي أول يوم لها في مجلس النواب، أمسكت خريطة رسمية في مكتبها في بناية الكونغرس وخطّت "فلسطين" مكان "إسرائيل". 

ولا تقتصر الفلسطينوفوبيا على ترامب وعقليته الانتقامية، بل هي متجذّرة في السياسة المحلية الأميركية والتشريعات القانونية على مستوى الولايات. ويكفي النظر إلى حالة الهستيريا تجاه حركة مقاطعة إسرائيل (بي دي إس)، إذ بادر سياسيون أميركيون إلى شنّ حرب تشريعية على مجموعة سلمية محدودة النفوذ من داعمي حقوق الفلسطينيين في الولايات المتحدة. وحاليا هناك أكثر من 120 قانونا مكارثيا يستهدف النشطاء الفلسطينيين في أكثر من عشرين ولاية، وتدعو إلى تجريم مقاطعة إسرائيل قانونيا، وفرض عقوبات كافكاوية تترواح بين السجن عشرين عاما وغرامة تصل إلى مليون دولار! تضاف إلى ذلك قوانين مماثلة في مجلسي الكونغرس، مثل قوانين مكافحة "بي دي إس"، علما أنّ هذه القوانين تشكل انتهاكا صارخا لحق حرية التعبير والتظاهر المكفول بموجب الدستور الأميركي. 

ما يميز الفلسطينوفوبيا عن غيرها من الفوبيات أنها بلغت حدا من التطرّف بات فيه السياسيون الأميركيون ينكرون تماما وجود موضوع الفوبيا. ويقول المرشح الجمهوري السابق للرئاسة، مايك هكابي: "لا يوجود هناك شيء اسمه الفلسطينيون". ويقول زعيم الأغلبية الجمهورية ورئيس مجلس النواب السابق، نيوت غينغريتش: "لم يكن هناك يوما دولة فلسطينية؛ أعتقد أن الفلسطينيين شعب مخترع". 

نحن إذن أمام ظاهرة عصابية متطرفة، يعجز سيغموند فرويد عن تشخيص أعراضها. ونظرا لحالتها العصابية، استهدفت الفلسطينوفوبيا أكثر المجموعات الفلسطينية تهميشا، أي اللاجئين. وبدأت السفيرة الأميركية السابقة في الأمم المتحدة، نيكي هيلي، مسيرتها الدبلوماسية بالمطالبة بإسقاط حق العودة. ودعا صهر الرئيس الأميركي ومستشاره، جاريد كوشنر، علنا إلى القضاء على "أونروا". وليست الفلسطينوفوبيا حكرا على الجمهوريين، إذ يتسابق الديمقراطيون على التصويت على قوانين تجريم مقاطعة إسرائيل في الكونغرس، ناهيك عن تكرار اتهامات مفبركة ضدّ إلهان عمر ورشيدة طليب بمعاداة السامية. 

إذاً، لا يخفي ترامب عداءه العصابي للفلسطينيين في وقتٍ باتت فيه الفلسطينوفوبيا ورقة سياسية رابحة في واشنطن، ويتسابق السياسيون الأميركيون، من ديمقراطيين وجمهوريين، على إبداء ولائهم المطلق لإسرائيل إرضاءً للوبي الإسرائيلي، المتمثل خصوصا بلجنة الشؤون العامة الأميركية - الإسرائيلية (إيباك)، ومتبرّعين أثرياء داعمين لإسرائيل، مثل حاييم سابان، وشلدون أديلسون. وتمتد الفلسطينوفوبيا إلى الإعلام الأميركي، حيث تسيطر الرواية الإسرائيلية، في حين لا تزال الأصوات الداعمة لفلسطين شبه مقموعة، وكأن الفلسطينيين، بعبارة المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد، "لا يملكون حق الرواية"، فعبارات مثل "الاحتلال" و"الأبارتهايد" هي بمثابة تابوهات سياسية في الخطاب الإعلامي الأميركي، ليس في شبكة فوكس نيوز اليمينية فحسب، بل حتى في منابر إعلامية متزنة، مثل شبكة سي إن إن وصحيفة نيويورك تايمز. وتنتشر الفلسطينوفوبيا في الجامعات الأميركية، فيتم تصنيف الأكاديميين الداعمين لحقوق الفلسطنيين على قوائم سوداء تابعة لجماعات إقصائية داعمة لإسرائيل، ومقرّبة من اللوبي الإسرائيلي (إيباك)، مثل كناري ميشن. 

وعلى الرغم من تطورات إيجابية، كانتخاب نائبات في الكونغرس مثل طليب وعمر، إضافة إلى تصاعد الأصوات المناهضة للاحتلال الإسرائيلي، والداعمة لحقوق الفلسطينيين، في أوساط التقدميين من الأميركيين الشباب، فإنّ الفلسطينوفوبيا لن تختفي في يوم وليلة، بل ستمتد على الأرجح إلى مرحلة ما بعد ترامب. إذ تميل الفوبيات الجماعية إلى البقاء والتكيف، وبخلاف الفوبيات الفردية، لا يمكن معالجتها من خلال جلسات سيكوتحليلية، بل تحتاج إلى سنوات، وربما أجيال، لاجتثاثها من جذورها.