سلطة الذكورية العربية

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي فلسطين 24
2019-09-15 10:13:30
بقلم: سمير الزبن

تربّينا على صورةٍ للرجل القوي، صاحب الهيبة في المنزل والمجتمع، تعتمد على إيقاع الرهبة والخوف في قلب المرأة والأطفال أولاً، حتى يكون مرهوباً من أسرته الصغيرة، فمن لا يكون مرهوباً هنا في أسرته لن يكون مرهوباً هناك في المجتمع، على اعتبار أن الرجل يمثل السلطة الأعلى التي لا يجب رفض أوامرها، أو حتى أن يناقشها سكان منزله، فصورة الرجل القوي هو الرجل الذي يُلقي الأوامر طوال الوقت على الجميع في المنزل، وكلامه يجب أن يُطاع مهما كان، صحيحاً كان أو خاطئاً. وهو الذي يملك السلطة العليا في عقاب المرأة والأطفال، حتى بالضرب، والضرب المبرح إذا احتاج الأمر، من دون نقاش أسباب هذا العقاب، حتى لو كان من دون سبب، أو مخالفة لأوامر خاطئة تصدر عن الرجل. لأنه صاحب الكلمة العليا في المنزل، يجب أن يمارس الصراخ على الجميع ولأي سبب، والشتم بداعٍ ومن دون داع، وإلقاء الأوامر التي لها معنى والتي ليس لها معنى. وفي نهاية المطاف، يجب أن يظهر رجلاً بلا قلب، لأن رقّة القلب والحنان ليسا من صفات الرجل القوي، إنما هي صورة للرجل الضعيف الذي يتسبب بانفلات العائلة.

يتماهى رجال عربٌ كثيرون مع هذه الصورة، ويقومون بكل السلوكيات السابقة ويزيدون عليها، ويفسّرون الأمر بأنهم أرباب أسر، ومن حقهم أن يمارسوا كل صلاحياتهم، لتجنيب العائلة أية انحرافات محتملة، وليس أنسب لذلك من أسلوب الشدّة الضروري لضبط العائلة في الزمن الصعب. وينسى هؤلاء الرجال المعاناة التي عانوها من جرّاء مثل هذا السلوك، عندما كانوا أطفالاً، ويدافعون عن هذا الأسلوب بأنه الذي صنع منهم رجالاً! ولأنه كذلك، فإنه سيصنع من الأولاد الجدد رجالاً بالطريقة التي صنع منها والده منه رجلاً. وسيصنع امرأة مطيعة تعرف حدودها، وتلتزم بها بحكم شدة الزوج، وكأن المرأة لا تملك العقل، ولا التمييز المطلوب لمعرفة السلوك الصحيح من دون إملاء الأوامر بشكل مستمر من صاحب الحق الوحيد في إلقاء الأوامر، الرجل القوي.

ينعكس هذا السلوك القاسي على العائلة، ويشوّه العلاقات الأسرية، وينتج شخصياتٍ سلبية وخاملة، لأن التساؤل ممنوع، وحق النقاش مصادر في إطار العائلة، ويصبح الكذب للحصول على رضى الوالد أو لتجنب العقاب هو السائد في العائلة. وفي أحسن الحالات، يسود الصمت، ويصبح لسان العائلة مقطوعاً، والوحيد الذي يملك حق الكلام هو الأب. وعندما يتماهى هذا الوضع مع مدرّسةٍ تعتمد على الضرب من المدرسين، على الرغم من منع الضرب في المدارس في الدول العربية، ولكن آباء كثيرين لا يمانعون أن يضرب المعلمون أولادهم في المدارس، على الرغم من منع القانون هذه الممارسة. كما تعتمد المدارس أسلوبا تلقينيا في التدريس باتجاه واحد: من المدرس إلى التلميذ السلبي. ويؤثر اجتماع العوامل التكوينية عند الطفل في سنوات التأسيس، بشكل حاسم، على الطبيعة التي سيكون عليها سلوكه عندما يصبح رجلاً، والبنت عندما تصبح أماً. فهذه الشخصيات ستكون متأثرة بالسلوكيات التي مورست عليهم، والبيئة التي عاشوا فيها، ويعيدون إنتاجها في المجتمع. وبذلك يعيدون إنتاج شخصياتٍ خانعة مطيعة، لا تعرف التساؤل أو الاعتراض أو النقد الذي يكون ضرورياً لتطور الحياة والمجتمع والمدرسة والبيت والأسرة والفرد، مع أننا نعتقد أننا بممارستنا هذه الأمور نصنع المجتمع الأفضل، والذي يناسب خصوصيتنا.

هناك صورة أخرى للرجل القوي، صورة أكثر جدوى وهيبةً من الرجل صاحب الحق المطلق في الثواب والعقاب وإلقاء الأوامر، والذي يفرض نفسه على المنزل بقوة السلطة والخوف. صورة الرجل القادر على فرض هيبته بالإقناع والنقاش، والتراجع عند الخطأ، لأن هذا التراجع لا يمكن أن يمس هيبة الأب، بقدر ما يُعلي من شأنه عند الأولاد، لأن الخطأ جزءٌ من الحياة. وبذلك يدرك الأولاد أن ثقة الأب بنفسه، لا ضعفه، هي التي تجعله يتراجع عن الخطأ من دون أن يعتبر ذلك مساًّ بمكانته المحفوظة في قلوب أولاده المُحبة، لا بالخوف منه ومن عقابه.

والمرأة تحب أن تعيش مع رجل قوي، ولكنها لا تفهم القوة من خلال تجريب عضلاته في جسدها الطري، بل رجل قوي يستطيع أن يفهمها ويقدّر إنسانيتها ويثق بعقلها، ويقنعها بتحمّله المسؤولية، رجل يفهم أن المرأة إنسانٌ يحتاج، وله حقوق وعليه واجبات تدركها، رجل يقنعها بقوة منطقه، لا بحزامه، مقتنع بأن المرأة كائن مساو له في القيمة والحقوق ووجهات النظر، فقوة الرجل لا تكون بحجم النواهي التي يفرضها على المرأة والأوامر المانعة التي لا معنى لها، بل هي تكون بقدر تفهمه حاجاتها ووقوفه معها والاستماع لرأيها الذي من حقها أن تبديه، ومن حقه أن يناقشها به بصفتها شريكه في العائلة والحياة، فالقوة الحقيقية للرجل هي ثقته بنفسه وثقته بشريكته بالحياة وثقته بأولاده، فنجاحها ونجاحهم يعزّز من قوته لا يشعره بعقدة النقص، ويمنح الجميع الشعور بالثقة بالنفس.

لدينا هذا النوع من الرجال في عائلاتٍ كثيرة، وفي مواقع كثيرة في المجتمع، ولكنها ليست الصورة السائدة للرجل القوي، وهم ليسوا الأكثرية. لذلك يمكن القول إن الرجل الديمقراطي هو الذي ينقصنا في أماكن كثيرة، الرجل الواثق بنفسه، وواثق من قدرته على الإقناع، والقادر على الاقتناع بالحقيقة، الرجل الذي يغمر العائلة بحنانه وعطفه، ويغمر شريكة حياته بالحب والتضامن. هذا الأب هو صاحب الهيبة والقوة الحقيقية، وهي رأسمال ثمين له وللأسرة، لا يمكن تعويضه، يصنع عائلة سعيدة، واثقة من نفسها، تعرف ما لها وما عليها، من دون قائمة الممنوعات التي تفرض بالإخافة والترهيب، عائلة قادرة على صناعة مستقبلها الأفضل، لأنها تعتمد على دعم الرجل القوي حقاً الذي يمنحها القدرة على صناعة هذا المستقبل.

بالتأكيد، مهما كان عدد هذا النوع من الآباء في مجتمعنا لا يمكنهم أن يكوّنوا مجتمعاً ديمقراطياً، فلهذا المجتمع شروط عمومية سياسية، وبنية أيديولوجية، وبنى مؤسساتية، وقواعد قانونية عامة، يخضع لها الجميع. ولكن تزايد هذا النوع من العائلات يجعل انتقال مجتمعاتنا إلى المجتمع الديمقراطي أكثر سلاسة.