الفلسطينيون في موقع المبادرة: حل السلطة وتبني استراتيجية حل الدولة

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي فلسطين 24
2019-09-23 09:56:32
بقلم: حمادة جبر

تنطلق هذه الورقة من ثلاثة افتراضات. أولاً: موت حل الدولتين أو استحالة تحقيقه، وذلك بسبب التوسع الاستيطاني الاسرائيلي في أراضي الدولة الفلسطينية المنشودة وغياب القضية الفلسطينية عن برامج الأحزاب الفاعلة في اسرائيل من جهة، وغياب الأدوات الفلسطينية الفاعلة في الوضع الراهن للضغط على اسرائيل من جهة أخرى. وكذلك بسبب عجز أو عدم رغبة المجتمع الدولي في الضغط على اسرائيل لإنقاذ هذا الحل، فضلاً عن أن حل الدولتين لا يقدم حلاً عادلاً لقضية اللاجئين الفلسطينيين ولهذا السبب أيضاً يرى كثير من الفلسطينيين والاسرائيليين بأن حل الدولتين حتى لو تحقق فإنه لن يكون نهاية الصراع.

والافتراض الثاني هو أن إنهيار السلطة الفلسطينية مسألة وقت، إما لأسباب اقتصادية أو بسبب صراع داخلي على السلطة، فضلاً عن فقدانها لمبررات وجودها وفشلها في تقديم نفسها كنواة لدولة ديمقراطية تحترم حقوق مواطنيها وتفصل بين السلطات وغير فاسدة كما أرادها الفلسطينيون، حيث يقول 23% فقط من فلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة بأن الديمقراطية في نظام الحكم في السلطة الفلسطينية جيدة أو جيدة جداً مقابل 57% لاسرائيل( ).

أما الافتراض الثالث فهو إستحالة استمرار الوضع الراهن في المنطقة الواقعة بين البحر والنهر. إن الوضع الراهن ليس إلا صورة لواقع دولة واحدة تفرض فيه إسرائيل كل يوم مزيدا من الحقائق على الأرض لصالحها، وذلك بتمييز متزايد ضد الفلسطينيين. يجعل هذا التمييز من واقع الدولة الواحدة هذا نظاما عنصريا في مراحل متقدمة من التطور. مع ذلك، هناك فرصة -قد لا تدوم طويلاً- لدى الفلسطينيين لتغيير الوضع الراهن، بكشف عنصرية هذا الواقع المتبلور وفرض حل الدولة الديمقراطية الواحدة في فلسطين التاريخية، ولتحقيق مكاسب استراتيجية وتعويض الكثير من الخسائر التي نتجت عن مغامرة أوسلو.

إن الاستمرار في تبني والترويج لحل الدولتين من أطراف فلسطينية أو غيرها، هو مشاركة في استمرار معاناة الشعب الفلسطيني. بل إن هذا الخداع القائل بأن حل الدولتين مازال ممكناً قد يكلف الفلسطينيين نكبة ثانية. حل الدولتين مات وانتهى، وان السذاجة المتمثلة بتحميل الرئيس ترمب مسؤولية قتله، وبالتالي التعويل على ما بعد نهاية فترة رئاسته، غير صحيحة وغير مفيدة. بل إن ترمب -من حيث لا يدري- قد يكون فرصة يجب اقتناصها قبل فوات الأوان، حيث إن ما قام ويقوم به هو لوقف بائعي الأوهام للفلسطينيين عند حدهم وإجبار القيادة الفلسطينية للاعتراف بخطئها وتبني استراتيجية جديدة.

إن من يحكم فلسطين التاريخية منذ عام 1967 هي دولة واحدة وهي إسرائيل، وهذا الحكم استمر حتى بعد اتفاق أوسلو وانشاء جهاز السلطة الفلسطينية وحتى الآن. وجدت اسرائيل ضالتها في "عملية السلام" بالالتفاف على الانتفاضة الأولى من خلال انشاء جهاز السلطة الفلسطينية ليعفيها من وصمها بالدولة العنصرية الذي كانت موصومة به من قِبل الجمعية العامة للأمم المتحدة (قرار رقم 3379 عام 1975)( ) قبل الغائه (قرار رقم 86/46 عام 1991)( ) بعد 45 يوم فقط من انعقاد مؤتمر مدريد للسلام عام 1991. ولكن اليوم، بل مبكراً وبعد سنوات قليلة على أوسلو، بدأت تتكشف نوايا اسرائيل. وبالفعل لقد كسبت اسرائيل 25 عاماً كانت الأفضل في تاريخها على كافة المستويات من خلال إلهاء وإيهام الفلسطينيين بعملية سلام لا تنتهي بينما قامت وتقوم بتعزيز وجودها وسيطرتها والتحكم بكل مناحي الحياة اليومية للفلسطينيين، وكذلك سرقة الأراضي ومواردها وفرض أمر واقع جديد سيكون من يطالب بتغييره غير متصل بالواقع بنظر اسرائيل ونظر اللاعبين الدوليين الرئيسيين في العملية السياسية القائمة على حل الدولتين وحتى بنظر بعض الفلسطينيين.

نجحت اسرائيل باستغلال ضعف منظمة التحرير وتلهف قيادتها للعب دور جديد بعدما أصبحت تقريباً غير ذي صلة بحكم الجغرافيا وضعف وتساقط الحلفاء، وجفاف مواردها المالية، وفرضت عليها اتفاقاً هزيلاً في أوسلو يتم فيه انشاء سلطة فلسطينية لادارة شؤون الفسطينيين شكلياً بالنيابة عنها، حيث بدأت قيادة السلطة منذ اليوم الأول لإنشائها تتصرف كأنها دولة مستقلة في علاقتها مع شعبها وحلفائها، مُعطية الانطباع بأنها نواة الدولة الفلسطينية المنشودة، وليصبح فيما بعد من الصعب على هذه القيادة التفكير بالعودة خطوة للوراء. وعندما أدركت القيادة الفلسطينية بعد قمة كامب ديفيد عام 2000 بانه ليس باستطاعتها بيع مزيد من الأوهام لشعبها، وبدلاً من قلب الطاولة على الاحتلال بالتراجع خطوة للوراء وإرجاع الأمور إلى ما كانت عليه قبل أوسلو وذلك بحل السلطة الفلسطينية، برزت هنا الصعوبة التي راهنت عليها اسرئيل، أي عدم استعداد قيادة السلطة للتخلي عن مكتسباتها الشكلية والفردية.

المفارقة، أنه وبعد حوالي عشرين عاماً على انتهاء المرحلة الانتقالية (1999)، وفشل قمة كامب ديفيد (2000)، وفي ظل افتقار القيادة الفلسطيينة لأدوات الضغط والتأثير، وفشل استراتيجية التدويل وعزل إسرائيل، يبقى خيار حل السلطة الفلسطينية هو الخيار الوحيد بيد القيادة الفلسطينية لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه. والدليل على أنه الخيار الوحيد هو تهديد رأس هرم منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية منذ عشر سنوات بحلها و "تسليم المفاتيح" للاحتلال، وقراره بوقف العمل بالاتفاقيات الموقعة مع اسرائيل في شهر تموز/يوليو الماضي رداً على هدم بيوت فلسطينية يقع بعضها في منطقة "أ" في وادي الحمص في بلدة صور باهر قضاء القدس. ولكنها بقيت كما غيرها دون خطوات عملية وبأدنى مستوى من الجدية مما أفقدها المصداقية.

حل السلطة أو انتظار انهيارها؟

إن رهان اسرائيل سابق الذكر ما زال فعالاً لدرجة أن القيادة الفلسطينية مستعدة هذه المرة للمغامرة بالتمسك بالسلطة لآخر لحظة حتى انهيارها، بدلاً من المبادرة بحلها. وهذا الانهيار وشيك ويمكن أن يحدث في أي لحظة كما ذكرنا سابقاً، إما لأسباب اقتصادية وعدم قدرة السلطة الفلسطينية على الاستمرار بأداء المهام الموكلة لها، أو بسبب صراع داخلي على السلطة، حيث أن مخاطر هذا الصراع قد تضاعفت بعد حل المجلس التشريعي الذي حسب القانون الأساسي وفي حال عدم قدرة الرئيس على القيام بمهامه أو وفاته، يصبح رئيس المجلس التشريعي هو الرئيس ليقوم بالتحضير لانتخابات رئاسية خلال مدة شهربن وهذا هو السيناريو الذي حدث بعد وفاة الرئيس عرفات.

إن الفرق بين انتظار الانهيار والمبادرة بالحل هو فرق استراتيجي ومصيري. ففي سيناريو حل السلطة ستعود القيادة بأكملها لمنظمة التحرير والشعب معاً (ويا حبذا لو كان ذلك بالتوازي مع اجراء تغييرات واصلاحات من حيث طريقة صنع القرار وشمولية التمثيل داخل مؤسسات المنظمة لوقف النزيف المتسارع في رصيد شعار المنظمة كممثل شرعي ووحيد للفلسطينيين الذي يؤيده اليوم فقط 54%( ) من فلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة مقابل 69% قبل ثلاثة عشر عاماً) ليكونا في موقع المبادرة والقدرة على التحكم والتوجيه للاستراتيجية التي سيتم تبنيها وطرحها لمرحلة ما بعد حل السلطة. كذلك ينبغي على القيادة تزامناً مع ذلك إعطاء صلاحيات واسعة للبلديات والمجالس المحلية وتشكيل لجان شعبية في أحياء المدن والقرى لمساندة البلديات والمجالس المحلية في حفظ الأمن الداخلي وقيادة العمل الشعبي المقاوم. وعليها أيضاً المبادرة بجمع أسلحة الأجهزة الأمنية وتسليمها لطرف ثالث مثل الأمم المتحدة وذلك لتحقيق ثلاثة أهداف: أولاً، لتفادي محاولة إسرائيل جر الفلسطينيين لسيناريو الانتفاضة الثانية؛ وثانياً، خدمةً لاستراتيجية حل الدولة الواحدة التي سيتم تبنيها والقائمة على المقاومة الشعبية السلمية؛ وثالثاً، لضم المزيد من الاسرائيليين اليهود لمشاركة الفلسطينيين في نضالهم لإنهاء النظام العنصري.

أما في سيناريو الانهيار، وما يمكن أن يتلوه من فوضى وفلتان أمني وصراع مسلح، فإن إسرائيل ستكون في موقع المتحكم في الأمور لدرجة أنها قد تستغل هذا الوضع بارتكاب نكبة ثانية بحق الشعب الفلسطيني يكون مسرحها الضفة الغربية. بل إن اسرائيل كدولة قد لا تكون مشاركاً رئيسياً في النكبة الجديدة بترك الأمر للمستوطنين الذين تزايدت اعتداءاتهم في السنوات الأخيرة ووصل عددهم في الضفة الغربية إلى أكثر من 600 ألف( ) مستوطن لا ينقصهم السلاح لارتكاب نكبة جديدة بحجة الدفاع عن النفس في أجواء الفوضى والفلتان الأمني التي من المرجح أن تنشأ عقب انهيار السلطة.

إذن، لتفادي هذه المخاطر، وتلك المتمثلة في خطة "صفقة القرن" (التي لا ننتظر إعلانها، بل ننتظر فرض وتطبيق آخر عناصرها) ينبغي على قيادة منظمة التحرير الآن ودون تردد أو انتظار أن تبادر بحل السلطة الفلسطينية التي فقدت مبررات وجودها لأسباب عدة ولكن أبرزها هو إنتهاء وهم الحل القائم على "حل الدولتين". كما أن وجود السلطة هو السبب الأهم للانقسام ووجودها هو الذي يعفي اسرئيل من كلفة احتلالها، بل إن الاقتصاد الاسرائيلي يستفيد بنسبة تفوق ال70%( ) من مجموع المساعدات الدولية للفلسطينيين. وبحلها أيضاً، من المؤكد ان تستعيد القيادة الفلسطينية جزءاً كبيراً من ثقة الشعب بها (واسترجاع الثقة هو عنصر مركزي لتبني وإنجاح لاستراتيجية وبرنامج ما بعد الحل) التي هي شبه معدومة الآن. حيث أن حوالي نصف الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة يعتبرون السلطة عبء ويؤيدون حلها) (، رغم أنها المشغل الأكبر، ومقدم الخدمات الرئيسي لهم، وكذلك رغم الخوف من المجهول بغياب استراتيجية لما بعد الحل. ولو سألنا الفلسطينيين عن رأيهم بحل السلطة مع تقديم استراتيجية جديدة وواقعية لما بعد الحل فإن نسبة التأييد ستزداد بكل تأكيد إلى أغلبية واضحة لتنحصر المعارضة فقط بأصحاب المصالح الكبرى الذين تتعارض مصالحهم مع المصلحة الوطنية الجماعية.

من الصعب معرفة موقف وردة فعل حركة حماس -المسيطرة على قطاع غزة- من قرار حل السلطة الفسطينية. ولكن سيكون من الصعب عليها مواجهة إجماع شعبي على استراتيجية وطنية جديدة وواقعية تضمن حقوق الفلسطينيين.

استراتيجية ما بعد الحل: حل الدولة الواحدة

إن سياسة الانتظار التي انتهجتها القيادة الفلسطينية والتعويل تارة على نتائج انتخابات أمريكية هناك ونتائج انتخابات اسرائيلية هنا أو تغيير في سياسات الاتحاد الأوروبي ودوله لممارسة بعض الضغوط على اسرائيل قد فشلت فشلاً ذريعاً ودفعنا، وما زلنا ندفع، كفلسطينيين بسببها ثمناً باهظاً. أما خطة "صفقة القرن"، فبالتأكيد لا يمكن مواجهتها وإفشالها من خلال الانتظار أو الاكتفاء بالقول "لا" في الوقت الذي تطبق فيه على أرض الواقع. حان الوقت للاعتماد على أنفسنا فقط في فرض ما نريد ضمن خطة وطنية، والاستثمار في المواقف العربية والدولية ما أمكن، ولكن كعوامل مساعدة وليست أساسية.

خطة وطنية فلسطينية، واقعية، أخلاقية وتحظى بتأييد شعبي هي فقط الكفيلة بإفشال خطة "صفقة القرن" وغيرها من الخطط. هذه الخطة أو الاستراتيجة الفلسطينية يجب أن تكون قائمة على تبني حل الدولة الديمقراطية الواحدة في فلسطين التاريخية بحيث تضمن: (1) المساواة الكاملة بين كل مواطنيها، و(2) حق العودة للاجئين، و(3) ضمان عدم هيمنة مجموعة على أخرى، و(4) وضع خطط وبرامج قصيرة ومتوسطة المدى تعمل على جسر الفجوة بين مواطنيها في كل المجالات، خاصة في مجال الاقتصاد، على قاعدة تكافؤ الفرص والتمييز إيجابياً تجاه الفئات الفقيرة، ومجال الأمن بخطط دمج شاملة على كافة المستويات، وأخيراً، (5) يُحتم على الدولة الديمقراطية الواحدة اتباع سياسة خارجية قائمة على الحياد وعدم الدخول في أي محاور اقليمية أو دولية وذلك لأهمية هذه الدولة الدينية والتاريخية لدى معظم سكان الأرض ولصالح مستقبلها السياحي والتجاري الواعدين.

رغم أن حل الدولتين هو البرنامج الرسمي لمنظمة التحرير الفلسطينية، ورغم الجهد الاعلامي والتعبوي الذي استثمرت فيه المنظمة للترويج لهذا الحل، إلا أن نسبة التأييد لحل الدولتين بين الفلسطينيين والاسرائيليين اليوم هي الأدنى منذ أكثر من عقدين ولا تشكل أغلبية عند أي من الطرفين. في المقابل، ورغم عدم وجود حزب سياسي فلسطيني واحد يتبنى خيار حل الدولة الواحدة، ورغم شعور الفلسطينيين بضعفهم وعدم قدرة قيادتهم على إجبار الاسرائيليين على قبول حل الدولة الواحدة، فإن نسبة الفلسطينيين الذين يؤيدون التخلي عن حل الدولتين وتبني حل الدولة الواحدة تبلغ 31%( ) وتقفز نسبة التأييد إلى أكثر من 39%( ) في حال فشل حل الدولتين.

يجب أن تكون أدوات تحقيق هذه الاستراتيجية قائمة على المقاومة الشعبية السلمية الواسعة -حيث أن معظم الفلسطينيين (63%)) ( يؤيدون هذا الشكل من المقاومة ولكن عند سؤالهم عن سبب ضعف مشاركة المواطنين في المقاومة الشعبية تقول النسبة الأكبر (39%)) ( أنه يعود لعدم الثقة بالقيادة. وكما ذكر سابقاً لا يمكن استرجاع ثقة الجماهير إلّا بقرار بحجم حل السلطة وبالتالي فإن ثقة الجماهير المسترجعة بالقيادة ستجعلهم مشاركين فاعلين. ولدينا مثالان واضحان على ذلك: أولًا، المقاومة الشعبية الواسعة والناجحة في القدس -حيث لا وجود للسلطة- في صيف 2017 احتجاجًا على البوابات الالكترونية التي حاولت اسرائيل تركيبها على مداخل المسجد الأقصى في البلدة القديمة في ذلك الوقت. 

والمثال الثاني يتمثل بالمشاركة الجماهيرية الواسعة في مسيرات العودة الكبرى المستمرة منذ آذار 2018 على حدود قطاع غزة، حيث لا وجود للسلطة أيضاً. لنتخيل مسيرات مشابهة في الضفة الغربية والقدس، وفي مناطق ال48 المتعطشة لقيادة تكون جامعة لكل الفلسطينيين تشملهم بعد أن تخلت عنهم قيادة منظمة التحرير رسمياً منذ "أوسلو" وتركتهم لمصيرهم كأقلية مميز ضدها خاصة بعد سن قانون القومية اليهودية لاسرائيل. إذن، بالتوازي مع المسيرات الكبرى في كل أنحاء فلسطين التاريخية وفضح سياسات التمييز الإسرائيلية والمطالبة بإعادة تفعيل قرار الجمعية العام للأمم المتحدة رقم 3379 لعام 1975 الذي ساوى الصهيونية بالعنصرية، لنتخيل أيضاً الزخم الكبير الذي ستكتسبه حركة مقاطعة اسرائيل وفرض العقوبات وسحب الاستثماراتBDS وفي وقت قياسي، خاصة بانه سيكون من الصعب على الحكومات التي تحاول التضييق عليها ومحاربتها الاستمرار في ذلك خشية اتهامها بالدفاع عن واقع دولة واحدة يتصف بالعنصرية بات مكشوفا للجميع.

إن قدرة إسرائيل كدولة صغيرة على مواجهة وتحمل الوضع الجديد الناشئ المتمثل بالمظاهرات الشعبية الكبرى ووصمها سياساتها بالعنصرية والدعوة إلى مقاطعتها ستكون محدودة مما قد يجعلها تتجاوب مع مطالب الفلسطينيين بزمن قياسي، وذلك لتفادي الانعكاسات الفورية على صورتها وعلى اقتصادها الذي يتميز بالحداثة والسرعة ولا يحتمل الهزات والإرباك، وكذلك لتفادي الانعكاسات الفورية على قطاع السياحة الذي يُسجل أرقاماً قياسية متتالية آخرها عام 2018 حيث وصل عدد السائحين إلى أكثر من 4 ملايين سائح بإيرادات وصلت إلى 24 مليار شيكل (6.3 مليار دولار)).

موقف الاسرائيليين:

رغم أن نسبة من 54%( ) من الاسرائيليين اليهود يصفون الوضع في اسرائيل بالجيد أو جيد جداً و30% بالمتوسط و16% فقط بالسيء أو سيء جداً، فقد قالت نسبة بلغت أكثر من (20%)( ) من الاسرائيليين اليهود بأنهم يؤيدون خيار الدولة الواحدة الذي تتساوى فيه حقوق كل المواطنين. إن القول باستحالة موافقة الاسرائيليين اليهود على خيار الدولة الواحدة لا يمكن اختباره دون وضع اسرائيل في وضع تكون مجبرة فيه -حسب الاستراتيجية المذكورة سابقاً- بالاختيار بين حل الدولتين أو حل الدولة الواحدة. كما يجب التذكير بوجود حوالي 2 مليون فلسطيني كمواطنين اسرائيليين يشكلون حوالي 20% من مُجمل السكان داخل اسرائيل، يؤيد أكثر من ثلثيهم( )حل الدولة الواحدة. إن الأرقام أعلاه مؤشرات ايجابية جداَ لتقبُل بعض أطراف المجتمع الاسرائيلي لمطالب الفلسطينيين ضمن الاستراتيجية المذكورة سابقاً وكذلك لثقتهم بأن الدولة الديمقراطية الواحدة ستضمن لهم حقوقهم في المستقبل بغض النظر عن عددهم ومحاولة البعض تخويفهم من العامل الديمغرافي. وهنا من المهم الإشارة بأن هناك يهوداً اسرائيليين يصوتون لأحزاب عربية وأن أكثر من 30%( ) من أصوات فلسطينيي الداخل في انتخابات الكنيست الأخيرة في نيسان الماضي قد ذهبت إلى أحزاب يهودية رغم وجود قائمتين عربيتين تضم أربعة أحزاب.

كذلك هناك عدة مبادرات تُطرح من قِبل اسرائيليين تأتي في إطار حل الدولة الواحدة مثل مبادرة الكونفدرالية "دولتان-وطن واحد" ومبادرة "حركة الاتحاد الفيدرالي"، إلا أنها مبادرات لا ترقى لمستوى حقوق وتطلعات الفلسطينيين ولكنها حتماً تبقى أفضل من الوضع الراهن ومن حل الدولتين في أحسن حالاته. كذلك أسس منذ حوالي عام مجموعة من فلسطينيي 48 وبمشاركة اسرائيليين يهود مبادرة بمسمى "حملة الدولة الديمقراطية الواحدة" تدعو إلى اقامة دولة ديمقراطية واحدة في فلسطين التاريخية تضمن المساواة بين كل مواطنيها وحق العودة وتفكيك النظام الاستعماري الصهيوني القائم. وتهدف هذه المجموعة لعقد مؤتمر للإعلان عن نفسها وعن برنامجها السياسي خلال هذا العام.

موقف المجتمع الدولي:

كما ذكر سابقاً، آن الأوان لنعتمد على أنفسنا بفرض وتحقيق ما نريد وتبقى العوامل الأخرى مثل الدور العربي والاسلامي والمجتمع الدولي عوامل مساعدة وليست أساسية. فالمجتمع الدولي، وخاصة في العشر سنوات الأخيرة، وعلى رأسه الاتحاد الاوروبي أكبر الداعمين لحل الدولتين، أصبح مهتماً بإدارة الصراع وإطالة الوضع الراهن أطول فترة ممكنة، وذلك يتضح بعدم ممارسة أي نوع من الضغوط على اسرائيل أولاً، ودعمه لنظام السلطة الفلسطينية السلطوي ثانياً، وكل هذا على حساب معاناة الشعب الفلسطيني. رغم ذلك، في خطابها أمام البرلمان الأوروبي بتاريخ 16/4/2019 قالت فيديريكا موغيريني الممثل الأعلى لسياسة الأمن والشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي: "الواقع أن حل الدولتين ليس فقط يتلاشى بل يجري تفكيكه قطعة تلو الأخرى".

كذلك يقر العديد من السياسيين والدبلوماسيين الأوروبيين بفشل وانتهاء حل الدولتين إلّا أنهم يجدون صعوبة بالإعتراف بذلك والتخلي عنه خاصة باستمرار تمسك الطرف الفلسطيني الرسمي به وبسبب استثمارهم بمليارات الدولارات في هذا الحل من جيوب دافعي الضرائب الأوروبيين. لذلك يفضل هؤلاء أن يأتي إعلان هذا الفشل من الأطراف المعنية. أما الولايات المتحدة الأمريكية، الراعي الرئيسي لعملية السلام، فمنذ قدوم ترمب للسلطة وفي أول مؤتمر صحفي مشترك مع نتنياهو في البيت الأبيض قال أنه سيؤيد أي حل يحبه الطرفان سواء كان حل الدولتين أو حل الدولة الواحدة. هذا يعني أن المجمتع الدولي الذي لم يفعل شيئا لانقاذ حل الدولتين، قد لا يُعارض حل الدولة الواحدة، بل إن حل السلطة وفضح واقع الدولة الواحدة المتبلور اليوم كنظام عنصري، قد يضعهم في موقف لا مفر لهم منه وهو رفض هذا النظام العنصري وتأييد دولة ديمقراطية تساوي بين جميع مواطنيها.