التكرار لا يعلّم الحكومات

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي فلسطين 24
2019-09-29 11:04:59
بقلم: باسل طلوزي

صه.. فقد دخل المعلم، وعلى الحكومة أن تقف احترامًا له هذه المرة وتوفّه التبجيلا؛ ثم تصغي جيدًا إلى درسه الأخير، وتحفظه عن ظهر قلب؛ لأن رسوبها المتكرّر في سائر الاختبارات التي قدمتها حتى الآن مخجلٌ للغاية، ولم يعد في الوسع منحها فرصة أخرى.

صحيحٌ أن المعلم الأردني مُضربٌ عن إعطاء الحصص للطلاب منذ مطلع السنة الدراسية الحالية قبل شهر، غير أنه تعهّد بالعودة إلى الغرفة الصفّية، بلا مقابل، شريطة أمرين: أن تكون الحكومة هي من يجلس على مقاعد الدرس، وأن يكون موضوع الدرس محو الأميّة. ولكن قبل أن يبدأ الدرس، على الحكومة أن تعلم جيدًا أن قوانين التربية والتعليم قد تغيّرت؛ فلم يعد الضرب ممنوعًا، وسيكون في مكنة المعلم أن يحمل عصاه؛ لأن أساليب التنبيه والتقريع والتوبيخ لم تجدِ نفعًا معها، ومع سابقاتها من حكوماتٍ تفشّت فيها الأميّة الاقتصادية حدًّا أوصل البلاد إلى شفير الهاوية.

وقبل هذا وذاك، يتعيّن أن تدرك الحكومة، ومن يقف أو يجلس في "صفّها" من حكومات الظلّ، أن المعلّم لا يمثّل نفسه وحسب، بل يمثل سائر قطاعات الشعب التي تقف في هجير معاناةٍ لم تشهد مثيلًا لها من قبل.

عمومًا، في مستهلّ درس محو الأميّة، سيلوّح المعلم بعصاه، ويردّد أبجديةً اقتصاديةً أولى، قوامها أن الاقتصاد القائم على سياسات الجباية واختراع الضرائب إلى حدّ توشك فيه الحكومات الأردنية أن تفرض "ضرائب على الضرائب"، هو اقتصادٌ أثبت عقمه عالميًّا وليس محليًّا فقط، وأن عليها أن تغيّر من هذا النهج الذي استقرّ في تفكير الساسة الأردنيين منذ تأسيس الدولة، فقد استسهلت الحكومات هذا النهج لسداد عجز مديونياتها المتناسلة، عبر رفع أثمان السلع والخدمات، وفرض الضرائب المتجدّدة مطلع كل صباح؛ لتطاول أخيرا أثمان القبور، وكأنها تودّ بعث رسالة إلى الموتى، مفادها أن الموت قد يكون راحةً من كل شيء إلا من ضرائبها.

وفي باب التفكير الضرائبي الأردني، في الوسع إيراد عديد الأمثلة التي لو دخلت أدب اللامعقول لنسخته عن بكرة أبيه، ومنه فرض رسوم "مواقف سيارات" على أصحاب المحال التجارية، بما يعادل أزيد من ألفي دينار عن كل موقف، حتى لو لم تكن هناك مساحات للمواقف أصلًا؛ وهو ما جعل مستثمرين كثيرين يُحجمون عن فكرة الاستثمار في هذا المجال، بما يعنيه ذلك من حرمان البلد من ضخّ أموالهم في العجلة الاقتصادية المتعطلة أصلًا، وحرمان العاطلين عن العمل من فرصٍ كانت في متناول اليد. كما يمكن مشاهدة مشاريع ضخمة كثيرة غير مكتملة حاليًا، أوشكت أن تغدو معالم أثرية تستحق السياحة، كأبراج عمّان، وأحد الفنادق الضخمة الذي توقف بناؤه، حيث آثر أصحابُها تحمّل نصف خسائرهم على إتمام هذه المشاريع، بعد أن اكتشفوا مبلغ خديعتهم بالأسطوانة الحكومية الممجوجة عن "تسهيل الاستثمار"، وضرورة استقطاب رؤوس الأموال الأجنبية إلى البلد.

أما في منتصف درس محو الأمية الاقتصادية، فستتلقّى الحكومة ضربة عصا على رأسها كي تتنبّه، ولو مرة واحدة، كي ترى كيف يُدار اقتصاد عدوٍّ سارعت إلى عقد معاهدة سلام معه وروّجت ثمارها القادمة، لكنها لم تكلّف نفسها عناء دراسة تجربته الاقتصادية التي قامت على خفض الضرائب إلى أدنى مستوياته؛ لتشجيع الاستثمار، ولتكوين قوة اقتصاديّة منيعة ترفد قوتها العسكرية، وهو ما نجحت به نجاحًا فائقًا، أما حكومتنا فبقيت على أمّيتها المزمنة.

وفي ختام الدرس، سيكون المعلّم الأردني قد بلغ أقصى درجات الغيظ، وهو يرى طالبته الأميّة قد غفت على مقعد الدرس، فيسحبها من قدميها ويضربهما بـ"الفلقة"، كي تستيقظ على مواطنٍ بلغ حدّ الاختناق في مستنقعات الضرائب والضنك والغلاء، وعلى عاطلٍ ليس عن الوظيفة الأولى هذه المرة، بل عن الثانية والثالثة ليسدّ أدنى متطلبات العيش، وعلى أسواقٍ راكدة ركود الموت، من عقار وسيارات وغيرهما.
وفي الختام وما قبله أيضًا، على المعلم الأردني أن يكرّر الدرس مرة أخرى وأخرى؛ على الرغم من قناعته أن التكرار الذي علّم الحمار لن يفلح مع الحكومات.