كيف الخروج من النفق؟

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي فلسطين 24
2019-10-16 10:02:04
بقلم: واسيني الاعرج

 

بدأ الحراك يتحول إلى سلطة حقيقية معوضاً فراغ الدولة، فهو لم يعد فقط حركة شعبية عامة تسير في الشوارع كل يوم جمعة وثلاثاء. قانون المحروقات دفع بالحراك مرة أخرى إلى الواجهة، قانون يكاد تمريره يكون سرياً بغض النظر على محتوياته، في ظل برلمان وحكومة هما من ثمرات العصابة السجينة والحرة. وهذا ستترتب عليه مخاطر كثيرة بدأت ترتسم في الأفق والمتعلقة بتفكك الدولة الذي يدفع الكثيرون نحوه، تبدو في أغلب الحالات كأنها غير موجودة.

لا نتحدث عن الجريمة التي استفحلت وأصبح الأمر عادياً أن يذبح شخص إنساناً أمام الملأ، في مكان عام كالبريد؟ لا مشكلة أن تغتصب شابة في الطريق العام والشرطة لا تتدخل؟ أن يطرد مدير مؤسسة من مكتبه، أو يمنع وزير من أداء مهامه؟ للمواطن حقه في الحماية، وإلا سندخل في النظام الغابي، طاق على من طاق. ما هو مقبل يجبر الجميع على التأمل، لكيلا نخسر وطناً عظيماً، ولا تذهب مطالب الحراك هباء. أي حراك هو قوة جماهيرية يجمعها هدف واحد مهم، وهو في الأغلب الأعم إجبار النظام على التنازل أو ترك الحكم، في حالة الفشل الكلي.

الانتفاضات العربية منحتنا الكثير من الدروس التي بينت أن سقوط رأس النظام الفاسد لا يعني سقوط النظام مطلقاً. في الجزائر حدث شيء مشابه، استسلم الرئيس لسيول الشارع السلمي الضاغط بقوة. لكن الحراك لم يتوقف عند هذه العتبة، فقد ذهب بعيداً في مطالبه المشروعة: تغيير النظام الذي تولدت عنه العصابة. وهذا لا يمس فقط العصابة التي تكونت في حواشي رئاسة بوتفليقة، ولكن في ظل نظام خان قيم الثورة والشهداء، وبنى إمبراطوريات خرافية. لا نتوقع شيئاً كبيراً، مهما كان صدق النوايا، من انتخابات مرتبكة لن تلد إلا واحداً من المجسدين لبنيتها المريضة الريعية، التي استمرت أكثر من نصف قرن من الانقلابات والجريمة السياسية، والنهب المنظم. قد يستدرك النظام إذا بقي فيه شيء من الوطنية، ويخلق قناة حوار مع الحراك، متأخراً، لكن أفضل من المخاطرة بالبلاد كلها. لكن هذا أيضاً سيضع الحراك في مأزق كبير، ما هي حلوله في وضع مثل هذا؟ كيف سيسير الحقبة اللاحقة؟ وما هي استراتيجياته؟ هل يملك أوراق الوحدة والوفاق العام، والاتفاق على الحدود الدنيا؟ قد يبدو هذا الكلام سابقاً لأوانه، لكنه في صلب اللحظة. هل فكر الحراك، خارج المسيرات الشعبية الكثيفة، في سبل تسيير المرحلة المقبلة، والملفات العاصفة والثقيلة التي تنتظره؟ سيتغير النظام حتماً، اليوم أو غداً، لكن كيف؟

يمكننا أن نلحظ تشكيلة من التيارات التي تخترق الحراك، وهو أمر عادي لا يتفرد به الحراك الجزائري، مجموعات وطنية كانت تدور في حلقات النظام انكسر ظهرها مع الحراك وبدت خائفة وصامتة من أن يمسها مد المحاسبات، لكن الانتخابات أعادت لها الأمل فدخلت من جديد لعبة مبايعة قوى الساعة. الكثير من أفرادها يفترض أن يكون في الحبس، في مكان لويزة حنون، فهي لا تملك قوة عسكرية لا مادية ولا رمزية في حدود ما يعرف الجميع؟ لا يمكن أن تعاقب، مهما كان تعاطفها مع بعض أفرادها العصابة، بنفس المدة لأناس ركعوا البلاد وأهانوها وبهدلوها بالحفاظ على رئيس كان يفترض أن يخرج منذ نهاية العهدة الثانية، في أقصى الأحوال نهاية العدة الثالثة. ما يعني أن القضاء ما يزال معطلاً ومسيراً بالأوامر الفوقية. التيارات الأخرى الموجودة داخل الحراك العلمانية أو اليسارية لا تملك القوة التي تؤهلها للعب دور كبير مستقبلاً. التيارات الدينية، بالمعنى السياسي، ترى في الحراك فرصتها ليس فقط لاستعادة سلطة ترى أنها سرقت منها، ولكن أيضاً كتابة تاريخ جديد يبيضها من كل ما ارتكبته في حق المثقفين والصحافيين والمواطنين العزل. وهناك بقايا العصابة المتخفية بمختلف الأقنعة الوطنية أو الدينية أو الإيديولوجية، لها وظيفة محددة في الحراك، كسره من الداخل أو حتى توجيهه؟ لهذا فمهمة الحراك ليست سهلة لجمع كل هذه الشظايا التي، وإن التقت، ليس لها الأهداف نفسها. لنفترض أن النظام انتهى؟ ماذا سيفعل الحراك بالحكم؟ بمؤسسات الدولة؟ بنظام الحكم القادم وشكله، جمهورية المواطنة الحقيقة أم النظام الفيديرالي، كما أشيع في كثير من البيانات، أم نظام الجهوية الموسعة؟ من يقرر في حراك هو قوة شعبية وليس قوة مقترحات.

لا يمكن لحراك أن يصل إلى مبتغاه دون قيادة حية وواعية تجسد مطالبه. يحتاج إلى مجموعة تخرج من صلبه، لا لتتولى السلطة، ولكن لتسير الأوضاع ومنعها من السقوط في الفراغ. 
سيواجه الحراك هذه القضايا وعليه أن يجد لها الإجابات؟ من سيحاور الدولة أو بقاياها؟ طرح مثل هذا سيمنع الحراك من الانفجار، ويمنحه فرصة لتأمل القضايا الوطنية الكبرى بجدية، خارج حماسة المسيرات. هناك شخصيات، على سبيل التمثيل لا الحصر، الرئيس الأسبق ليامين زروال، وابن بيتور، وحمروش، والإبراهيمي، وجميلة (كشخصية رمزية)، ورحابي، وجابي، طابو، بومالة، بوشاشي، وغيرها، مهما كان رأينا فيها، يمكن أن تلعب دوراً جامعاً، فهي تملك من الثقافة السياسية ما يؤهلها إلى أن تسير بالبلاد بشكل آمن نحو التغيير الديمقراطي المنشود. النظام عاجز عن أن يلعب دوراً انتقالياً، فهو يريد أن يظل. مثبتا في مواقفه التي قد تقود البلاد إلى الهلاك. صحيح أننا لا نملك مانديلا، وضع بلاده في المسار ثم انسحب، لكن الجزائر تملك طاقة شابة خلاقة، لا تطلب أكثر من الاستماع إليها.

الجزائر اليوم في وضع شديد الخطورة بعد أن ضاقت كل السبل. أمامها ثلاثة حلول متاحة: أولاً، تمرير الانتخابات بالقوة، وهذا لن يفرز إلا المزيد من المخاطر. حتى لو مرت بسلام، ستأتي برئيس مشلول عليه أن يواجه حراكاً أكثر تطرفاً وأقل سلمية. ثانياً، أن يدخل النظام في حوار حقيقي مع الحراك بعد تعيين ممثليه، تكون فيه الجزائر فوق كل شيء، وهو أمر سيجبر النظام على توقيف الانتخابات، وهذا أمر مستبعد لأنه سيجعله في موقف ضعف. ثالثاً، انهيار الوضع الأمني وإعلان حالة الطوارئ ويكون على المؤسسة العسكرية أن تتحمل مسؤولية الحفاظ على بلاد في مهب الريح. ألا يمكن أن يفكر الحراك والسلطة معاً، في كل هذا، بدل الهروب إلى الأمام؟