عقدة الانتخابات الفلسطينية

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي فلسطين 24
2019-11-03 10:48:51
بقلم: د. ناجي صادق شراب

بعيداً عن أهمية الانتخابات، كآلية لتوسيع حق المشاركة السياسية، وترسيخ مبدأ تداول السلطة، وتقوية منظومة القيم التي تقوم على مبدأ المواطنة الواحدة، والحق والحريات التي يكفلها الدستور والقانون، فالانتخابات أحد مكونات البناء الديمقراطي الشامل، والديمقراطية ليست انتخابات فقط، بل إن تكرارها الهدف منه تأصيل وتقوية البناء الديمقراطي، وهي شكل من أشكال التدريب، والحيلولة دون احتكار السلطة، حتى لا تتحول إلى بنية استبدادية. البناء الديمقراطي مثل أي مبنى كبير يحتاج إلى أساسات، ومن ثم مراحل، وأخيراً تعايش وتوافق بين ساكنيه. في البحث بإشكاليات الديمقراطية الفلسطينية نجد أن هذه الإشكاليات كثيرة ومعقدة.

بداية لا بد من استبعاد بعض المبررات، مثل أن الاحتلال لا يسمح بالانتخابات، على أهمية هذا الرأي، ولا أحد يقلل من تأثير الاحتلال، لكنه ينبغي أن يكون دافعاً قوياً لإجراء الانتخابات، والتمسك بالخيار الديمقراطي، على اعتبار أن الديمقراطية هي أحد الخيارات لإنهاء الاحتلال. والإشكالية الأولى التي أضعفت من الديمقراطية الانتخابية، أنه في الانتخابات الأولى التي أجريت عام 1996 واستمرت لعشر سنوات، فإن هذا الجمود وعدم الالتزام بالانتخابات أوجد تداعيات سياسية على الممارسة الديمقراطية، وأدى إلى تراجع في مقوماتها لحساب سلطة وتنظيم واحد حاكم.

ما حصل كان كارثة سياسية، لأنها انتهت بسيطرة وانقلاب شامل على السلطة في غزة من قبل حماس، لنصبح أمام واقع سياسي مناهض للانتخابات والديمقراطية، والذي زاد الطين بلة، كما يقال، استمرار هذا الانقسام إلى أكثر من ثلاثة عشر عاماً، تأسست فيها بنية انقسام، وزُرعت فيها قيم سياسية تشكيكية تخوينية رافضة لأي شكل من أشكال الشراكة، وتأسست بنية غير ديمقراطية في غزة والضفة.. وحتى نكون موضوعيين وحياديين، فإن كل ما يترب على ذلك يعتبر غير شرعي، لكن مع التسليم بالأمر الواقع ومحاولة تصحيحه وإيجاد الحلول له، تأتي أهمية الانتخابات، لتصحيح كل ما ترتب على الانقسام.

إن الانتخابات في صالح حماس، وهي المستفيد منه الآن، لأن من شأن الانتخابات، وضمان إجرائها بنزاهة، يعني دمج كل ما ترتب على الانقسام من لا شرعية، سيُدمج في بنية الشرعية، وهذا أكبر المكاسب لها، وفي الوقت ذاته يعمي ذلك الاعتراف بالشرعية، السياسة الانتخابية والالتزام بها.

الإشكالية الأخرى لعدم إجراء الانتخابات في مواعيدها القانونية، أننا أضعنا الهدف الاستراتيجي، وهو أولاً البناء السياسي الديمقراطي، أو بناء نظام سياسي فلسطيني قادر على استيعاب واحتضان كل القوى السياسية، ومن يريد ألا يشارك، عليه الالتزام بالمخرجات الشرعية لهذا النظام، وهو ما يعني التأصيل للمؤسساتية السياسية على حساب الشخصانية والفصائلية الفلسطينية، وهما من أكثر نقاط الضعف أو الأمراض التي عانينا منها، وحولتنا إلى حالة من الهشاشة السياسية.

لقد أضعنا فرصة تحقيق هذا الأمر لأكثر من عقدين، كانت فترة كافية للاقتراب كثيراً من إنهاء الاحتلال وقيام الدولة الفلسطينية.

إن إجراء الانتخابات الفلسطينية القادمة، حتمية سياسية تفرضها الحاجة للشرعية، والتوافق حول أولويات المرحلة، وإيجاد حلول لكل ملفات الانقسام وهي كثيرة ومعقدة، ثم وضع آلية مشتركة للتواصل السياسي بين الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات والمخيمات، عبر مجلس وطني منتخب، يبعث الحياة من جديد في جسد منظمة التحرير الذي يوشك على الاحتضار والموت.

وأخيراً لا فتح ولا حماس ولا أي فصيل يمكنه أن يستمر من دون شرعية انتخابية يقررها الشعب الفلسطيني، لأن قوة أي فصيل هي قوة للقضية الفلسطينية.. علينا انتظار الانتخابات القادمة، وماذا ستفرز؟