غزة أولاً وأخيراً

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي فلسطين 24
2019-11-24 10:46:59
آخر تحديث 2019-11-24 11:06:58
بقلم: باسل طلوزي

كانت "أولًا" وصارت "أخيرًا" من حيث لم يدرِ أبو عمار. تلك هي غزة الآن، الواقعة بين حصاريْن، يسلّمها الأول إلى الثاني، ويدفعها الثاني إلى "الأول". 

أرادها "الختيار" محطّة على درب "الدولة"، فصارت هي الدولة، وغدت "أكبر" من فكرة محمود درويش ذاتها؛ لأنها وحدها من تتعملق الآن خارج حدود الفكرة التي أرادوا حشرها في زجاجتها، فتجاوزتها وأطلقت ماردها خارج الزجاجة؛ لتصبح رمزًا "أخيرًا" لمعجزة الفلسطيني في تأكيد نصله الناشب في جسد العدوّ.

تخلّى عنها الجميع، فطاردت الجميع، بمن فيهم إسرائيل ذاتها، التي كانت "أول" من أرادت الخلاص من هذا العبء في عهد شارون، بعد أن أدركت أن ثمن احتلالها أبهظ من ثمن حريّتها، فاختارت التخلي عنها، على الرغم من كل ما يُشاع بأن التخلّي جاء ضمن "صفقة سلام" مع منظمة التحرير الفلسطينية؛ إذ تشير معظم الأدبيات الصهيونية إلى أن إسرائيل كانت تبحث عمّن ينتشلها من بحر غزة، وينقذها من أتون هذا الجحيم الذي أرّق ليلها، وزعزع أمنها منذ أول بسطار محتلٍّ علق في أوحالها.

أما سلطة أوسلو التي عجزت عن فك طلاسم غزة، فلم تدرك، هي الأخرى، مبلغ مأزقها مع هذه "الدولة" المتمرّدة على الإخضاع القسريّ، إلا حين ظنّت أن في الوسع إلحاقها بقطيع التطبيع والإذعان لسياسة "الأمر الواقع"، كما فعلت مع مدن أخرى، غير أنها أدركت، بعد فوات الأوان، وعقب فقدان زمام سيطرتها على تلك "الدولة"، أن غزة تأبى أن تكون "ملحقًا" في اتفاقيات التبعية المذلّة للمحتلّ، بعد أن كانت رأس حربة في مقاومة هذا المحتل، فكان الفراق بين عقيدتين متنافرتين، ورايتين متباينتين، الأولى بيضاء بلون الخنوع، والثانية حمراء بلون العزّة.

رفضت غزة أن تكون مرتعًا لجنود الاحتلال، يدخلونها وقتما يشاؤون لمطاردة مقاوم وحصاره أو هدم بيته. أما سلطة أوسلو فقبلت، ورفض المدافعون عن غزة أن يكونوا خدمًا تحت إمرة الاحتلال، لتسهيل مهماته داخل المدن الفلسطينية في مطاردة المقاومين، أو لإصلاح "بناشر" عرباتهم العسكرية، كما يفعل جنرالات أوسلو، فكان الثمن إطباق الحصار عليها، وقصفها جوًّا وبرًّا وبحرًا، من بعيد، لأنهم يعلمون، علم الحاضر و"الغيب"، ما ينتظرهم إن تهوّروا بدخول غزة.

وأمّا الحصار الثاني، فمغلّف بمكر "الشقيق" على الشقيق، وبخبث "العربيّ" على العربيّ، فقد كان يأتي عبر خنقها بإغلاق معبرها الوحيد على "أشقائها" العرب في رفح، كما تفعل مصر عبد الفتاح السيسي. ثم جاء الحصار قاطعًا مانعًا واضحًا وضوح عين العقرب في وهج الظهيرة، حين راحت أصوات في دول خليجية تعلن صراحة انحيازها للعدوّ، و"بحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها"، ما يعني تأييدها السافر لأي عدوان صهيونيّ على غزة.

أما المتباكون عليها الآن، فحريّ بهم أن يدّخروا دموعهم لمآتم أخرى تقام في تل أبيب، اعتادوا أن يكونوا "أول" النائحين واللاطمين فيها و"آخرهم"، كما فعلوا في جنازات رابين وشارون وبيريز من قبل، وليتركوا غزة وشأنها؛ لأن غزة لم تزل ترفض إلا أن تكون "أولًا"، حين يتعلق الأمر بمقارعة العدوّ، ولو تعاظم الحصار وتعدّد، وتأبى إلا أن تكون "أول" القصف إذا كان النقيض "نجاة" ثمنها خدمة المحتل وتسهيل جرائمه، والمشاركة في قمع الشعب وإخضاعه، مثلما تأبى إلا أن تكون "أخيرًا"، إذا استدعى الأمر أن تكون جدارًا أخيرًا للمقاومة، وملاذًا أخيرًا لكل الهاربين بحلم يمتدّ من "البحر إلى النهر"، ولكل من لم يزل يصرّ أن يرى فلسطين من "فوهة بندقية".